هذا الحديث فيه: بيان تواضع النبي ﷺ، فمن تواضعه ﵇ ما قاله عن الأنبياء، وعن جده إبراهيم ﵇، قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ) إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فإبراهيم ﵇ لم يشك، والرسول ﷺ لم يشك، ومعروف أن الشك في البعث كفر، فالمراد بالشك هنا: أنه أحب الانتقال من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين؛ لأن اليقين على ثلاث مراتب:
علم اليقين: وهي ما يعلمه الإنسان بقلبه ويتصوره، فهذا علم، كما لو أخبرك ثقة أنت تتيقن أنه صادق.
وعين اليقين: ما يشاهده الإنسان بعينه ويبصره، وهذا حينما تشاهد الشيء، ولو كان الذي أخبرك صادق.
حق اليقين: وهو أن تباشره بجسمك، أو بيدك، مثال ذلك: أخبرك إنسان أن الوادي سال، وأنت تعلم هذا وتتيقن؛ لأنك تعلم أن المخبر ثقة وصدوق، فإذا أخبرك بعد ذلك ثقتان زاد اليقين، فإذا لقيت بعدهما عشرة زاد، فإذا لقيت بعدهم مائة زاد، لكن إذا ذهبت أنت وأبصرت بعينك الوادي يجري فهذا أقوى من العلم الذي بلغك، فلقد وصلتَ إلى درجة عين اليقين، فإذا نزلتَ في الوادي وباشرته فهذا حق اليقين.
وإبراهيم ﵊ مؤمن ومصدق بأن الله تعالى يحيي الموتى، وما سأل ربه كيف يحيي الموتى إلا لأنه أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، ينتقل من درجة إلى درجة، ومن مرتبة إلى مرتبة.
قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، فهذه عين اليقين، وقال في سورة الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾، فالمؤمنون يؤمنون بما أخبر الله تعالى به من حقائق الآخرة كالجنة والنار، ولا يعتري الشك مسلم، فإذا رأى المؤمنون الجنة وصلوا لمرتبة عين اليقين، فإذا دخلوها وصلوا إلى مرتبة حق اليقين.