755

============================================================

الجزء الثانى من القسم الأول من تجريد الأغانى

فبأى شىء أستوجب هذا منك ؟ فقال : آخبرك بالقصة لتعذ رنى : أصابتنى أزمة وقحمة(1) بالمدينة ، فأستنهضتنى أبنة عمى للخروج، فقلت لها : إنه ليس عندى ما يقل جناحى . فقالت : أنا أنهضك بما أمكننى. وكانت عندى ناب لى، فنهضت عليها حتى دفعت إلى دمشق، فأويت إلى مسجد عبد الواحد فى جوف الليل، فجلست فيه أنتظره ، إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر ، فإذا الباب ينفلق عن رجل كانه البدر، فدنا فأذن وصلى ركعتين، فتأملته فإذا هو عبد الواحد، فقمت قدنوت منه وسلمت عليه فقال : يا أبا إسحاق، أهلا ومرحبا . فقلت: لبيك، بأبى أنت وأمى، حياك الله باليلام وقربك من رضوانه. فقال : أما آن لك أن تزورنا! فقدطال العهد وأشتد الشوق ، ما وراءك؟ فقلت : لا تسألنى بأبى أنت وأمى، فإن الدهر قد أخنى على، فما وجدت مستغائا غيرك . فقال: لا ترغ، فقد قدمت على ما تحب إن شاء الله . فوالله إنى لأخاطبه إذا بثلاثة فتية كأنهم الأشطان(2)، فسلموا عليه. فاستدنى الأ كبر منهم فهمس إليه بشىء دونى ودون أخويه . فمضى إلى البيت ثم رجع فجلس إليه فكلمه بشىء ثم ولى. فلم يلبث أن خرج ومعه عبد ضابط (3) يحمل عبيا من الثياب حتى ضرب به بين يدى.

ثم همس إليه ثانية، فعاد ، وإذا به قد رجع ومعه مثل ذلك، فضرب به بين يدى . فقال لى عبد الواحد: أذن أبا إسحاق، فإنى أعلم أنك لم تصر إلى حتى تفاقم صدعك، فحذ هذا وأرجع إلى عيالك ، فوالله ما سللنا لك هذا إلا من أشداق عيالنا، ودفع إلى ألف دينار، وقال لى: قم فأ رحل فأغت من وراءك . فقمت إلى (1) القحمة: القحط والسنة الشديدة (2) الأشطان : جمع شطن ، وهو الحبل.

(3) ضابط : قوى شديد.

Page 755