Tafsir al-Mizan
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
وفي عدة من الروايات التي روتها العامة والخاصة في قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها الآية أن صاحب القصة أرميا النبي، وفي عدة منها: أنها عزير، إلا أنها آحاد غير واجبة القبول، وفي أسانيدها بعض الضعف، ولا شاهد لها من ظاهر الآيات، والقصة غير مذكورة في التوراة، والتي في الروايات من القصة طويلة فيها بعض الاختلاف لكنها خارجة عن غرضنا من أرادها فليرجع إلى مظانها.
وفي المعاني، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية: في حديث قال (عليه السلام): وهذه آية متشابهة، ومعناها أنه سأل عن الكيفية والكيفية من فعل الله عز وجل، متى لم يعلمها العالم لم يلحقه عيب، ولا عرض في توحيده نقص، الحديث.
أقول: وقد اتضح معنى الحديث مما مر.
وفي تفسير العياشي، عن علي بن أسباط: أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) سئل عن قول الله: قال بلى ولكن ليطمئن قلبي أكان في قلبه شك قال لا ولكن أراد من الله الزيادة، الحديث.
أقول: وروي هذا المعنى في الكافي، عن الصادق وعن العبد الصالح (عليه السلام) وقد مر بيانه.
وفي تفسير القمي، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: إن إبراهيم نظر إلى جيفة على ساحل البحر تأكلها سباع البحر، ثم يثب السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها، بعضا فتعجب إبراهيم فقال: يا رب أرني كيف تحيي الموتى؟ فقال الله: أولم تؤمن؟ قال بلى - ولكن ليطمئن قلبي قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك - ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن - يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم، فأخذ إبراهيم الطاووس والديك والحمام والغراب، فقال الله عز وجل: فصرهن إليك أي قطعهن ثم اخلط لحمهن، وفرقهن على عشرة جبال، ثم دعاهن فقال: أحيي بإذن الله فكانت تجتمع وتتألف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه، فطارت إلى إبراهيم، فعند ذلك قال إبراهيم إن الله عزيز حكيم.
أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره ، عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)، وروي من طرق أهل السنة عن ابن عباس.
قوله: إن إبراهيم نظر إلى جيفة إلى قوله فقال: يا رب أرني إلخ، بيان للشبهة التي دعته إلى السؤال وهي تفرق أجزاء الجسد بعد الموت تفرقا يؤدي إلى تغيرها وانتقالها إلى أمكنة مختلفة وحالات متنوعة لا يبقى معها من الأصل شيء.
فإن قلت: ظاهر الرواية: أن الشبهة كانت هي شبهة الآكل والمأكول، حيث اشتملت على وثوب بعضها على بعض، وأكل بعضها بعضا، ثم فرعت على ذلك تعجب إبراهيم وسؤاله.
قلت: الشبهة شبهتان - إحداهما - تفرق أجزاء الجسد وفناء أصلها من الصور والأعراض وبالجملة عدم بقائها حتى تتميز وتركبها الحياة - وثانيتهما - صيرورة أجزاء بعض الحيوان جزءا من بدن بعض آخر فيؤدي إلى استحالة إحياء الحيوانين ببدنيهما تامين معا لأن المفروض أن بعض بدن أحدهما بعينه بعض لبدن الآخر، فكل واحد منهما أعيد تاما بقي الآخر ناقصا لا يقبل الإعادة، وهذه هي شبهة الآكل والمأكول.
وما أجاب الله سبحانه به - وهو تبعية البدن للروح - وإن كان وافيا لدفع الشبهتين جميعا، إلا أن الذي أمر به إبراهيم على ما تحكيه الآية لا يتضمن مادة شبهة الآكل والمأكول، وهو أكل بعض الحيوان بعضا، بل إنما تشتمل على تفرق الأجزاء واختلاطها وتغير صورها وحالاتها، وهذه مادة الشبهة الأولى، فالآية إنما تتعرض لدفعها وإن كانت الشبهتان مشتركتين في الاندفاع بما أجيب به في الآية كما مر، وما اشتملت عليه الرواية من أكل البعض للبعض غير مقصود في تفسير الآية.
Page 217