الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي" (^١)، وهذا دليلٌ واضِحٌ على أن الثَّناءَ غيرُ الحمْدِ، وإلا لكان تَكرارًا.
وأيضًا: المعنى يقْتَضِي ذلك؛ لأن الثَّناء من الثَّني وهو الرُّجوعُ، فإنك إذا ثَنيتَ العَصَا رجَع طرفُها الآخرُ، ومنه لفظ (اثنين) يَعنِي: واحدًا وواحدًا فَفِيهِ رجوعٌ.
والصواب في تعريفِ الحَمْدِ هُوَ: وصفُ المحْمُودِ بالكمالِ مع المحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ، وقولنا: مع المحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ؛ حتى يخْرُجَ المدْحُ، فإن المدْحَ وصفُ الممدوحِ بالكمالِ، لكن قد يكون بمَحَبَّةٍ وتَعْظِيمٍ، وقد يكونُ لخوفٍ لا لمحَبَّةٍ، فهذا الرجل الذي وقَفَ أمام مَلِك ظالم جبَّارِ، وقال: أنت الملكُ الكَريمُ المحسِنُ العادِلُ الذي لا تَظْلِمُ أحدًا؛ هذا مَدْحٌ لكن ليس عن مَحَبَّةٍ وتعْظيمٍ.
ومن الفُروقِ بينَ الحمْدِ والمدْحِ: أن المدْحَ قد يكونُ مُوافِقًا للواقِعِ، وقد يكونُ غيرَ مُوافِقٍ، والحمدُ لا بد أن يكونَ موافِقًا للواقِعِ.
وقوله ﷿: ﴿الْحَمْدُ﴾ (ال) في ﴿الْحَمْدُ﴾ يقولُ العلماءُ: إنها للاسْتِغْرَاقِ، فجميعُ المحامِدِ للَّه جَلَّ وَعَلَا.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ (اللامُ) في لفْظِ الجلالَةِ لشِبْه المِلْك، قال ابنُ مالك ﵀ (^٢):
وَاللَّامُ لِلْمِلْكِ وَشِبْهِهِ وِفي ... تَعْدِيَةٍ أَيْضًا وَتَعْلِيلٍ قُفِي
والشاهِدُ قولُهُ ﵀: [واللامُ للمِلْكِ وشِبْهِهِ]، فالحمْدُ مُسْتَحِقٌّ للَّه جَلَّ وَعَلَا ومختَصٌّ بِهِ، والمراد بالحمدِ: الحمدُ الكاملُ، أما مجَرَّدُ الحمدِ فلا يختصُّ باللَّه، فقد يُحْمَدُ الإنسان على خَصْلَةٍ من الخِصالِ فيُحْمَدُ بقدْرِ هذه الخصْلَةِ، أما الحمْدُ الكاملُ
(^١) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم (٣٩٥) عن أبي هريرة.
(^٢) البيت رقم (٣٧٢) من ألفيته.