Commentaire sur le Nahj al-Balagha
شرح نهج البلاغة
Enquêteur
محمد عبد الكريم النمري
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى
Année de publication
1418 AH
Lieu d'édition
بيروت
قال قاضي القضاة رحمه الله : وجوابنا عن ذلك أن المروي في الأخبار أنه لما عوتب في ذلك ذكر أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ؛ وإنما لم يقبل أبو بكر وعمر قوله لأنه شاهد واحد ، وكذلك روي عنهما ، فكأنمها جعلا ذلك بمنزلة الحقوق التي تختص ، فلم يقبلا فيه خبر واحد ، وأجرياه مجرى الشهادة ، فلما صار الأمر إليه حكم بعلمه ، لأن الحاكم أن يحكم بعلمه في هذا الباب وفي غيره عند شيخينا ، ولا يفصلان بين حد وحق ، ولا بين أن يكون العلم قبل الولاية أو حال الولاية ، ويقولان : إنه أقوى من البينة والإقرار .
وقال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى : إنه لا وجه يقطع به على كذب روايته في إذن النبي صلى الله عليه وسلم في رده ، ولا بد من تجويز كونه صادقا ؛ وفي تجويز ذلك كونه معذورا .
فإن قيل : الحاكم إنما يحكم بعلمه مع زوال التهمة ، وقد كانت التهمة في رد الحكم قوية لقرابته ! قيل : الواجب على غيره ألا يتهمه ؛ إذا كان لفعله وجه يصح عليه ؛ لأنه قد نصب منصبا يقتضي زوال التهمة عنه ، وحمل أفعاله على الصحة ، ومتى طرقنا عليه التهمة أدى إلى بطلان كثير من الأحكام . وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط رحمه الله تعالى : إنه لو لم يكن في رده من رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاز أن يكون طريقه الاجتهاد ، لأن النفي إذا كان صلاحا في الحال لا يمتنع أن يتغير حكمه باختلاف الأوقات وتغير حال المنفي ، وإذا كان لأبي بكر أن يسترد عمر من جيش أسامة للحاجة إليه - وإن كان قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفوذه - من حيث تغيرت الحال ؛ فغير ممتنع مثله في الحكم . اعترض المرتضى رحمه الله تعالى على هذا ، فقال : أما دعواه أن عثمان ادعى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في رد الحكم فشيء لم يسمع إلا من قاضي القضاة ، ولا يدرى من أين نقله ، ولا في أي كتاب وجده ! والذي رواه الناس كلهم خلاف ذلك ؛ روى الواقدي من طرق مختلفة وغيره أن الحكم بن أبي العاص لما قدم المدينة بعد الفتح ، أخرجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، وقال : لا تساكني في بلد أبدا ، فجاءه عثمان فكلمه فأبى ، ثم كان من أبي بكر مثل ذلك ، ثم كان من عمر مثل ذلك ، فلما قام عثمان أدخله ووصله وأكرمه ، فمشى في ذلك علي والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر ؛ حتى دخلوا على عثمان فقالوا له : إنك قد أدخلت هؤلاء القوم - يعنون الحكم ومن معه - وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم ، وإنا نذكرك الله والإسلام ومعادك ؛ فإن لك معادا ومنقلبا ، وقد أبت ذلك الولاة قبلك ، ولم يطمع أحد أن يكلمها فيهم ، وهذا شيء نخاف الله فيه عليك . فقال عثمان : إن قرابتهم مني ما تعلمون ؛ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كلمته أطمعني في أن يأذن لهم ، وإنما أخرجهم لكلمة بلغته عن الحكم ، ولم يضركم مكانهم شيئا ، وفي الناس من هو شر منهم . فقال علي عليه السلام : لا أجد شرا منه ولا منهم ، ثم قال : هل تعلم عمر يقول : والله ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ! والله إن فعل ليقتلنه ، فقال عثمان : ما كان منكم أحد ليكون بينه وبينه من القرابة ما بيني وبينه ، وينال من المقدرة ما نلت إلا قد كان سيدخله ، وفي الناس من هو شر منه . قال : فغضب علي عليه السلام ، وقال : والله لتأتينا بشر من هذا إن سلمت ، وسترى يا عثمان غب ما تفعل ! ثم خرجوا من عنده .
Page 19