367

Commentaire sur le Nahj al-Balagha

شرح نهج البلاغة

Enquêteur

محمد عبد الكريم النمري

Maison d'édition

دار الكتب العلمية

Édition

الأولى

Année de publication

1418 AH

Lieu d'édition

بيروت

ما لهم قاتلهم الله ! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين .

الشرح : يقال : هذا توأم هذا ، وهذه توأمته ، وهما توأمان وإنما جعل الوفاء توأم الصدق ؛ لأن الوفاء صدق في الحقيقة ، ألا ترى أنه قد عاهد على أمر وصدق فيه ولم يخلف ؛ وكأنهما أعم وأخص ، وكل وفاء صدق وليس كل صدق وفاء ، فإن امتنع من حيث الاصطلاح تسمية الوفاء صدقا فلأمر آخر ، وهو أن الوفاء قد يكون بالفعل دون القول ، ولا يكون الصدق إلا في القول ، لأنه نوع من أنواع الخبر ، والخبر قول .

ثم قال : ولا أعلم جنة ، أي درعا . أوقى منه : أي أشد وقاية وحفظا ، لأن الوفي محفوظ من الله ، مشكور بين الناس .

ثم قال : وما يغدر من علم كيف المرجع ، أي من علم الآخرة وطوى عليها عقيدته ، منعه ذلك ، أن يغدر ، لأن الغدر يحبط الإيمان .

ثم ذكر أن الناس في هذا الزمان ينسبون أصحاب الغدر إلى الكيس ، وهو الفطنة والذكاء ، فيقولون لمن يخدع ويغدر ، ولأرباب الجريرة والمكر : هؤلاء أذكياء أكياس ، كما كانوا يقولون في عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، وينسبون أرباب ذلك إلى حسن الحيلة وصحة التدبير .

ثم قال : ما لهم قاتلهم الله ! دعاء عليهم .

ثم قال : قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ، ويمنعه عنها نهي الله تعالى عنها ، وتحريمه بعد أن قدر عليها ، وأمكنه . والحول القلب : الذي قد تحول وتقلب في الأمور وجرب ، وحنكته الخطوب والحوادث .

ثم قال : وينتهز فرصتها ، أي يبادر إلى افتراصها ويغتنمها . من لا حريجة له في الدين ، أي ليس بذي حرج ، والتحرج التأثم والحريجة : التقوى ؛ وهذه كانت سجيته عليه السلام وشيمته ، ملك أهل الشام الماء عليه ، والشريعة بصفين ، وأرادوا قتله وقتل أهل العراق عطشا ، فضاربهم على الشريعة حتى ملكها عليهم ، وطردهم عنها ، فقال له أهل العراق : اقتلهم بسيوف العطش ، وامنعهم الماء ، وخذهم قبضا بالأيدي ، فقال : إن في حد السيف لغنى عن ذلك ، وإني لا أستحل منعهم الماء . فأفرج لهم عن الماء فوردوه ، ثم قاسمهم الشريعة شطرين بينهم وبينه . وكان الأشتر يستأذنه أن يبيت معاوية ، فيقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيت المشركون ، وتوارث بنوه عليه السلام هذا الخلق الأبي .

Page 182