276

Proximate Fatwas of Ibn Taymiyyah

تقريب فتاوى ابن تيمية

Maison d'édition

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Édition

الأولى

Année de publication

١٤٤١ هـ

Lieu d'édition

السعودية

وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى أَعْيَانِهِمْ: فَهَذَا يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ قَدْرِهِمْ، وَمَعْرفَتِهِمْ، وَحَاجَتِهِمْ.
وَمَا أُمِرَ بِهِ أَعْيَانُهُمْ: فَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَن سَمَاعِ بَعْضِ الْعِلْمِ أَو عَن فَهْمِ دَقِيقِهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى ذَلِكَ.
ويَجِبُ عَلَى مَن سَمِعَ النُّصُوصَ وَفَهِمَهَا مِن عِلْمِ التَّفْصِيلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَن لَمْ يَسْمَعْهَا.
وَيجِبُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُحَدِّثِ وَالْمُجَادِلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَن لَيْسَ كَذَلِكَ.
فإِنَّهُ وَإِن كَانَ طَوَائِفُ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْخَبَرِيَّةَ الَّتِي قَد يُسَمُّونَهَا مَسَائِلَ الْأُصُولِ (^١) يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهَا جَمِيعِهَا، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ فِيهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَقَد يُوجبُونَ الْقَطْعَ فِيهَا كُلّهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ: فَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ خَطِأٌ مُخَالِفٌ لِلْكتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.
ثُمَّ هُم مَعَ ذَلِكَ مِن أَبْعَدِ النَاسِ عَمَّا أَوْجَبُوهُ؛ فَإِنَّهُم كَثِيرًا مَا يَحْتَجُّونَ فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَهَا قَطْعِيَّاتٍ وَتَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مِن الْأُغْلُوطَاتِ، فَضْلًا عَن أَنْ تَكُونَ مِن الظَّنِّيَّاتِ.
وَأَمَّا التَّفْصِيلُ: فَمَا أَوْجَبَ اللهُ فِيهِ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ وَجَبَ فِيهِ مَا أَوْجَبَهُ اللهُ مِن ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، وَقَوْلِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ الْإِيمَانَ بِهِ.
وَقَد تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْوُجُوبَ مُعَلَّقٌ بِاسْتِطَاعَةِ الْعَبْدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

(^١) أي: أصول الدين، كالإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر، ونحوها من المسائل والأحكام العلمية الخبرية، وقد خرج بذلك فروع الدين، وهي المسائل والأحكام العملية، وإن كان هذا التقسيم لا يرتضيه الشيخ رحمه الله تعالى.

1 / 282