ومن جملة صور المسألة توبة الداعى إلى البدع اذا لم يتب من أصله ولاصحابنا فيها وجهان وربما قيل روايتان ونظير هذه المسألة توبة المبتدع الداعى إلى بدعته وفيها روايتان أصحهما الجواز والاخرى اختيار ابن شاقلا لاضلال غيره وكذلك توبة القاتل قد تشبه هذه وفيها روايتان وأما أبو الخطاب فقال لا نسلم أن حركات الغاصب للخروج طاعة ولا مأمور بها وانما هى معصية الا انه يفعلها لدفع أكثر المعصيتين بأقلهما لان دوامه فى الدار معصية تطول وخروجه معصية قليلة ولهذا لو قصد انسانا مؤمنا ليقتله ظلما فهرب منه فاختبأ فجاء إلى من قد رآه فقال رأيت الذى فر منى كان له أن يقول لم أره ليدفع أعظم المعصيتين بأقلهما
والتحقيق أن هذه الافعال يتعلق بها حق الله وحق الآدمى فأما حق الله فيزول بمجرد الندم وأما حقوق العباد فلا تسقط الا بعد أدائها إليهم وعجزه عن ايفائها حين التوبة لا يسقطها بل له أن يأخذ من حسنات هذا الظالم فى الآخرة إلى حين زوال الظلم وأثره كما له أن يضمنه ذلك فى الدنيا اذ لو كان عليه ديون من ظلم عجز عن وفائها أو قتل نفوسا لم يستحل أربابها ولا يعرفهم وكلام ابن عقيل يقتضى ذلك فانه شبهه بمن تاب من قتل أو اتلاف أموال محترمة مع بقاء أثر ذلك القتل والاتلاف لكنه ادعى أن توبته فى هذه المواضع تمحو جميع ذلك وهذا لاطلاق ان لم يقيد والا فليس بجيد ثم ذكر أن الاثم واللائمة والمعتبة تزول عنه من جهة الله وجهة المالك ولا يبقى الا حق الضمان للمالك
قلت هذا ليس بصحيح بدليل أن الجارح لو تاب بعد الجرح لم يسقط عنه القود وكذلك الذى أوقع نفسه على نيام فمات أحدهم بمكثه عليه فانه يجب عليه القود ولو كان كالمخطىء لم يجب عليه الا الدية وكذلك التائب بعد وجوب القود لا يسقط عنه ولو كان مخطئا من الابتداء لما وجب عليه الا الدية فقد فرقت الشريعة بين من كان معذورا فى ابتداء الفعل وبين التائب فى أثناء الفعل وأثره فهذا القول الثالث هو الوسط لمن يتأمل وهكذا هو القول فيمن أضل غيره معتقدا أنه مضل وأما من كان لا يرى أنه مضل فهو كالكافر اذا قتل مسلما أو دعا إلى الكفر ثم تاب فان جميع معاصيه اندرجت فى ضمن اعتقاده وأظن هذا قول الجوينى
Page 79