La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
2751/ رع الها كات (كتاب ذم الغضب والحقد والحسد فهذه هي الأدوية العلمية، فإذا تفكر الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر خمدت نار الحسد من قلبه؛ لأنه يعلم أنه مسخظ ربه ومفهلك نفسه ومفرخ عدوه ومنغص عيشه.
أما العمل النافع فيه، فهو أن يتكلف بقبض ما يأمره به الحسد، فإذا بعثه على القدح في المحسود كلف نفسه المدح له والثناء عليه، وإن حمله التكبر عليه ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه، وإن بعثه على كف الإنعام عنه ألزم نفسه الزيادة في الإنعام، وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن شخصا اغتابهم أهدوا إليه وأعطوه، وأخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال: حدثني التنوخي قال: كنث في جامع المنصور والخطيب على المنبر، وعلى يساري علي بن طلحة البصري، فمددث عيني فرأيت عبد الصمد(1) بالقرب مني، فقام ومشى نحوي، فقمت إليه فقال لي: اجلس أئها القاضي فليس إليك قصدت، ولا لك أردت بمجيئي، أنا هذا أردث وإليه قصدت - يعني ابن طلحة - وذلك أن نفسي تأباه، فأردت أن أذلها بقصده وأخالف إرادتها. فقام ابن طلحة إليه وقبل رأسه.
واعلم أنه إذا جرت المواصلة والثناء والتواضع والمهاداة للحسود انقطعت في الغالب مادة الحسد؛ لأن الشرور بالتعمة يستميل قلب المنعم عليه ويستعطفه ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان، ثم يصير تكلف المحسود في العطاء والمواصلة طبعا يوجب طيب قلبه للحاسد فتنكسر سؤرة العداوة(2) من الجانبين ويفل غربها(3) ويقرب القلوب من التآلف ويبعد عن التناقض، وقد قال عليه الضلاة والسلام: "تهادوا تحابوا".
ولا ينبغي أن تسمع قول إبليس: إن مصانعتك للحسود مذلة ومهانة. فإن ذلك من خدع العدو لأن المقصود سلامة القلوب والأديان وبذلك تحصل.
(1) هو عبد الصمد بن عمر ين محمد أبو القاسم الواعظ، والخبر في تاريخ بغداد 44/11.
(2) في النسخ: (العدو)، والمثبت من الإحياء: (3) يفل غربها، أي: يكسر حدها.
Page 751