La Voie des Fidèles
منهاج القاصدين
============================================================
(230 منهاج القاصدين وتفيد الصادفين يجوعون إذا لم يجدوا، وربما وجدوا وآثروا، وكانوا لا يشبعون إذا أكلوا ويذمون البظنة، ويمدحون الجوع إشارة منهم إلى الحالة المتوسطة التي ذكرناها(1).
فأما التقلل المحكي عن الجاهلين بأحوال السلف وأوضاع الحكم مثل أن أحدهم كان يزن قؤته بكربة(2)، فتنشت كل يوم، وآخر قلل حتى وقف على رغيف في كل يوم، فهذا إلى النهي والكراهة أقرب منه إلى الفضيلة.
وقد كره العلماء التقلل منهم: الإمام أحمد، فقال: لا يعجبني وحكي عن ابن مهدي أن قوما تقللوا فقطعهم عن الفرض، وهذا لما ذكرنا من أن التقلل يضعف القوى، ثم هو موجب لتنشيف الوطوبات، وئبس الدماغ فيخرج الإنسان إلى الخيالات الفاسدة، وربما خرج إلى الجنون.
فهذه أحوال مسروقة من الترهبن لقرب عهد هذه الشريعة بتلك.
والاعتبار يتبغي آن يكون بحالة نبينا وأصحابه، فما منهم من سلك هذه الطريق، إلا أنه قد تقل عن ابن الزبير أنه كان يبقى أياما لا يأكل، وهذا يحتمل أن يكون عادة له، ويحتمل أن يكون لا يأكل الخبز ويقنع بغيره، فإن العرب ريما اقتنعت بالتمرات أو بشربة لبن عن الخبز، ويحتمل أن يكون ذلك في حالة قتاله ومحاصرته (3)، فهي قضية في عين مختملة.
(1) في (ظ): (التي أشرنا إليها) .
(2) الكربة: هي أصل السعفة الغليظة التي تيبش فتصير مثل الكتف. اللسان (كرب)، والمخصص لابن سيده 106/11، والمقصود آنه يزن طعامه بالكربة الرطبة فيكون كثيرا، ثم في كل يوم تنشف الكربة ويخف وزنها وبالتالي يخف وزن طعامه الذي يأكله، وقد ذكر ذلك المصف في صيد الخاطر: 57.
(3) وذلك في سنة (73) هجرية عندما حاصره الحجاج بن يوسف الثقفي في مكة لكي ينزل تحت طاعة عبد الملك بن مروان، ودام الحصار نحو خمسة أشهر ونصف إلى آن أصابته ضربة منجنيق فمات منها رحمه الله تعالى. ينظر البداية والنهاية 12/ 177 وما بعدها.
Page 630