369

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

قلنا: صار القرآن لكثرة تكراره وتصريف آياته كالغطاء على قلوبهم، وكالوقر في آذانهم لكي يفقهوه، وتعذر إليهم ويصير الحال فيه كالحال، فيمن ترفع له صوتك وتكرر كلامك وتدور إلى جهة وجهه، كلما صرفه عنك لتقرر عليه أنه قد سمع وفهم وتزيح علته في ذلك.

ورابعها: أن المروي أنهم لما سمعوه وفهموه كفروا به، وكانوا عند تكراره يسبون النبي عليه السلام ويزدادون كفرا وعتوا فمنعثهم الله من فهمه وسماعه عند التكرار لما صار سماعهم له عند التكرار كالمفسدة.

ومنها قوله: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم..} الآية.

والجواب: المراد نقلب في الآخرة؛ لأنه لم يذكر الوقت؛ ولأنه جعله عقوبة لكونهم لم يؤمنوا به أول مرة، ولا يجوز أن يعاقب على الكفر بخلق الكفر، فهو بمنزلة قوله: {يوم نقلب وجوههم في النار}.

وبعد، فلم يقل نقلب أفئدتهم عن الإيمان، وهو محل النزاع؛ ولأنه يقتضي أنهم كانوا آمنوا بقلوبهم ثم قلبها أو يجوز أن يكون المراد بسلب الألطاف والتوفيق وبالخذلان.

ومنها قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون..} الآية.

والجواب: لم يقل سأصرفهم عن فهمها أو عن الإيمان، ولأن الصرف إنما يكون عما يقدر عليه وهو لا يقول به الخصوم.

والمعنى: سأصرفهم عن إبطالها والقدح فيها والزيادة فيها والنقص منها، ونحو ذلك كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.

وأما قوله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم} فهو على جهة الدعاء.

ومنها قوله تعالى: {اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}.

والجواب: لم يقل يحول بينه وبين الإيمان. وأيضا فإنما أخبر بأنه يقدر على ذلك، فمن أين قد فعله.

والمعنى: أنه تعالى عبر بذلك عن الموت؛ لأن الحيلولة بينهما توجب الموت، ومن أعلا درجات الفصاحة أن يخبر عن الشيء بسببه أو بما يقع عنده، كما قال طرفة:

Page 375