Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām
منهاج المتقين في علم الكلام
فصل
ومن المتشابهات نوع يستدلون به على أن الله تعالى يمنع العباد مما أمرهم به لأجل أنه كرهه ولم يرده. منها قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم..} الآية.
والجواب: لا تعلق بظاهرها ؛لأن الختم لا يمنع من الإيمان من حيث يفعل في داخل القلب، ولا يأتيه من خارج، ولو أتاه من خارج لما منعه الختم كما لا يمنع ختم الكتاب والكيس من فضهما.
وبعد فالمنع إنما يعقل في حق القادر والكافر عندهم لا يقدر على الإيمان.
وبعد فلا معنى للختم على أصلهم؛ لأن الله تعالى إن فعل الإيمان في القلب لم يضر الختم، وإن لم يفعله لم ينفع عدم الختم.
وبعد فهذه الآية وشبهها معارضة بقوله: {أم على قلوب أقفالها} وقوله: {فأنى تؤفكون} {فآنى تصرفون} ونحوها مما يدل على أنهم غير ممنوعين.
وبعد.. فلم نقل ختم على قلوبهم من الإيمان، وهو محل النزاع.
إذا ثبت هذا، فالمعنى بالختم هنا السمة والعلامة، كما هو في أصل اللغة، وهي علامة توسم بها قلب العاصي لتعرفه الملائكة، فلا بإيراد الخواطر والألطاف وليتميز لهم الكافر من المؤمن كما قال تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} وفي الحديث: ((أن الرجل إذا عصى نكتت في قلبه نكتة سوداء)).
ويجوز أن يكون المراد الحكم والتسمية والإخبار بأنهم لا يؤمنون، يقال: ختمت عليك أنك لا تفلح كما يقال: حكمت فأخبر تعالى بأنهم سواء /247/ أنذروا أم لا، لا يؤمنون، وذكر الختم والغشاوة مبالغة في الأخبار، ويجوز أن يكون المراد التشبيه لما لم ينتفعوا بقلوبهم وحواسهم في سماع المواعظ والاعتبار بالمخلوقات تشبيها بالمختوم عليها كما قال تعالى: {صم بكم عمي} فإنه لم يرد ذلك على جهة الحقيقة فإن المعلوم خلافه بدليل، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، ولكن لما كان لهم قلوب لا يعقلون بها أي لا يستعملونها وأعين لا يبصرون بها، كذلك شبههم بمن لا قلب ولا بصر له، فلما لم يستعملوا هذه الآلات فيما لأجله خلقت، وعلى هذا قال الشاعر:
Page 373