362

Minhaj al-Muttaqīn fī ‘Ilm al-Kalām

منهاج المتقين في علم الكلام

وبعد فإذا أراد الملك من الرعية أمرا فإنما يدل مخالفتهم على عجزه إذا كان له في ذلك الأمر جلب نفع أو دفع ضرر، فحينئذ يدل على عجزه؛ لأنه لو قدر لقهرهم لتوفر دواعيه، وأما إذا أراد منهم ما يعود نفعه إليهم لم يدل على عجزه.

يوضحه أن النبي عليه السلام والمسلمون يعلمون اختلاف اليهود والنصارى إلى كنائسهم، ولم يدل ذلك على إرادتهم له، ولا عجزهم عن المنع منه، وكذلك فإن الملك إذا أمر رعيته بأمر يصلحهم لم يدل فقده على عجزه.

وبعد فلو كان كما ذكروه لكان الله قد أمر بما يدل على عجزه وبعث الرسل لذلك وعاقب لم لا يقع وهذا شيء بعيد لا يلتزمه مميز.

شبهة ثالثة، قالوا: أخبر الله بأن الكفر يقع وأمر بمجاهدة الكفار، فلا بد أن يريد الكفر الذي لا يكون خبره صدقا إلا به، ولا تتم المجاهدة إلا به، وإلا كان قد أراد تكذيب نفسه.

والجواب، يقال: وكذلك أخبر النبي عليه السلام أن الحسين يقتل، وكذلك أمر بالاغتسال من الزنا، فكان يجب أن يريد قتل الحسين والزنا؛ لأنه لا يكون خبره صدقا ولا لأمره فائدة إلا به والتزام ذلك جهالة شنيعة.

فصل

وأما السمعيات فقد قدمنا منعهم من الاستدلال بالسمع لكنا نتكلم على تقدير صحة استدلالهم، فمنها قوله: {وما يشاءون إلا أن يشاء الله}.

والجواب: إما أن يريد أن جميع ما يشاءون لا بد أن يشأه أو يريد، وما يشاءون هذا الشيء المخصوص إلا وقد شاءه الله تعالى، فالأول باطل؛ لأنه تعالى قد أخبر أنه يشاء خلاف ما يشاءون بقوله: {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة} وبقوله: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} وبقوله: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.

وأيضا فمعلوم أن أكثر ما يريده المخالفون لا يوجد، ولو أراده الله لوجد.

Page 368