وما لهم بعد كل هذا ... في هذه الدار من مسامي فإن تفضلت حضر الفقيه الأجل، سامي القدر والمحل، لافتقاد الدين وإصلاح الإسلام والمسلمين، فالدين واحد، والسبيل قاصد، والحق واضح لمن طلبه، والكبر فاضح لمن صحبه، فمملوك إنعامه اتبع للحق إذ رآه من الظل وأطوع لأهله من النعل، وبعد ذلك إن لم يكن(1) إجماع ولم يتفق عليه اجتماع، فقد وجبت النصيحة له كما وجبت عليه، لقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: (المسلم مرآة أخيه المسلم)، وهذا - أدام الله علوه - ممن كثر في هذه الدار اسمه، وكثر في الأسماع والأشياع قسمه، فهذه غاية حسنة، وسنة مستحسنة؛ لأنه يعلم أن الأتباع خصماء المتبوع يوم القيامة، فإن نظر إنعام(2) النظر في التماس السلامة، وركوب سفينة النجاة يوم القيامة، أنزل أهل البيت منزلتهم التي أنزلهم الله بها، والاعتراف بحقهم والتمسك بحبلهم، وكونه من أتباعهم وأشياعهم، وممن يحفظ حقوقهم ويجتنب عقوقهم، فلعل في ذلك فوزا لحظ نفسه، وانتفاعا بعلمه ودرسه، ولعلي لا أخلص كما قيل من غمر جاهل ودي عمر(3) متجاهل سلك في هذا القول مسلك المقايضة، وسبكه في قالب المفاوضة، ولله در القائل شعرا:
أبحتك نصحي إن قبلت فنفعه ... إليك وإن تكره فأنت المخير
فإن قبلت النصيحة، فالله يعلم أنها صحيحة، وإن كانت الأخرى، فكل بما عنده أدرى، قيل لبقراط الكلام الذي كلمت به أهل المدينة لم يقبلوه، فقال: ليس ذلك يضرني إنما يضرني إذا كان خطأ، انتهى كلام العبيدي في جوابه للقاضي الأحنف، والذين عرفوا الحق جم غفير، ومنهم من سنذكره في ترجمة له كابن مسدي العرباطي والحسكاني - رحمهما الله تعالى -.
Page 121