591

والعجب من تسمية من نقل عن أهل البيت القول مزخرفا، ورواه في هذا القول بحقه متصفا، وحكى أن الزيدية لا منصب لهم في العلم، ولا يد لهم في فصل الحكم، وأي منصب أشرف من منصبهم، وهل يوجد للخير سبب أبلغ من سببهم؟ هذا مع أن الله - سبحانه وتعالى - قد أمر بتشريف أئمتهم وسؤالهم، فقال - عز من قائل كريم -: ?فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون? [النحل:43]، فلما أمر بسؤالهم دل على الاقتداء بأفعالهم وأقوالهم، ولعل قائلا يقول إن أهل الذكر المأمور بسؤالهم هم أهل الكتاب، ويحتج بقوله تعالى: ?فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك? [يونس:94]، وهذا لا يصح؛ لأنه لو صح وجب السؤال عن جميع العبادات، وهذا إبطال لنبوته - عليه الصلاة والسلام - وإبطال للقرآن المجيد وتكذيب للمعجزات، وهذا كفر صراح، وليس - أدام الله علوه - لحقهم تجاهل(2)، ولا عنه بمتجاهل، ولكن لأمر ما جدع قصير أنفه، هذا مع أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قد دل على أن الحق معهم بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: (خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إلى يوم القيامة كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين)، وهو - أدام الله علوه - بهذا القول أدرى، وبالعمل به أولى وأحرى، وكل هذا دليل قاطع على أن الخلاف والاختلاف لا يجوز عقلا ولا نقلا، أما النقل فلما تقدم من الأدلة، وأما العقل فمعلوم أن كل ذي عقل لبيب إذا رأى شخصين مختلفين في قول أو فعل لا يقضي لكليهما بالصواب، مثال ذلك أن يمر رجلان بمجلس سلطان فيقول أحدهما: رأيت زيدا كساه السلطان يوم الجمعة عند طلوع الشمس حلة، ويقول الآخر بل صلبه في ذلك اليوم والوقت بعينه، أفيجوز أن يصدقا على زيد أو على السلطان، فإن قال ((كل مجتهد مصيب))، قلنا: هذا حديث نتلقاه بالقبول، إذ كل مجتهد بالصواب مصيب الاجتهاد لا يخرج عن أحد وجهين، إما يعلم الحق فيجتهد في العمل به، وأما أن يجهل الحق فيجتهد في طلبه، وإما الاجتهاد /71/ فيما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا يسمى فيه مصيبا، بل هو خطأ محض، وأما ما دعا إليه من المشافهة للمحادثة والمباحثة لترتفع الشكوك ويتبين النهج المسلوك فدعواه ظاهرة جوابها على كل ذي عقل وجوابها(1) شعر:

أشهى المنى عند ذي أوام ... ورود ماء بلا زحام

وصحبة الطيبين أطرى ... من لذة الماء والطعام

وكيف لي أن أراك يوما ... في مجلس ثابت النظام

بين رجال لهم حلوم ... أرجح من ذروتي شمام

لا يعرفون المراء إن هم ... قالوا ولا الهجر في الكلام

شعارهم حب آل طه ... عليهم أفضل السلام

ويحفظون الحقوق فيهم ... وفي سواهم من الأنام

وسوحهم للوفود رحب ... وهذه عادة الكرام

Page 120