Les Articles du Site Dorar
مقالات موقع الدرر السنية
إن الأمة اليوم بحاجة شديدة إلى استجماع معاني القوة في أفرادها؛ ليسعدوا بدينهم، ويؤدوا حق الله عز وجل فيهم. والناظر في كلام ربه سبحانه وتعالى لا تكاد تخطئ عينه صورتان اثنتان من صور القوة في الدين لا تتحقق القوة إلا بهما:
الأولى: القوة في الأخذ والتمسك والعمل (خذوا ما آتيناكم بقوة) (الأعراف:171).
والثانية: القوة في الإعداد والمواجهة والمدافعة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (الأنفال:60).
إن الأمة بحاجة إلى المؤمن القوي في عقيدته .. القوي في عبادته .. القوي في تعلمه .. القوي في دعوته .... القوي في دفاعه .. القوي في صدعه بالحق ووقوفه أمام سيل الشبهات والشهوات، والفتن والمغريات .. إذا تكلم كان قويا واثقا، وإن ناقش كان قويا واضحا، وإذا عمل كان قويا ثابتا، يأخذ تعاليم دينه بقوة، وينقلها إلى غيره بقوة، ويتحرك ويدعو في مجتمعه بقوة .. لا وهن ولا تميع .. ولا ضعف ولا تصنع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز .. )) (¬1).
ولكي تتحصل هاتان القوتان بكل صورها وأشكالها، وتصبح واقعا عمليا نعيشه في حياتنا، لابد من استجماع عدة أمور هي بمثابة الأسس التي يقوم عليها هذا المبدأ الشرعي، (والمقام مقام إشارة لا استفاضة، وهي محاولة استقرائية للآيات الواردة في القوة، وحال المأمورين والموصوفين بها):
الأساس الأول: قوة الصلة بالله تعالى.
إن من أهم أسس القوة في دين الله عز وجل أن يكون المؤمن قوي الصلة بالله عز وجل، كثير العبادة له سبحانه. لما ذكر الله عز وجل نبيه داود عليه السلام وصفه بالقوة في الدين، وعلل ذلك بأنه أواب كثير الرجوع إلى ربه عز وجل فقال تعالى (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) (ص:17)، وكان عليه السلام حسن التعبد لربه عز وجل ففي الحديث: "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام" (¬2). ولما أمر نبي الله هود عليه السلام قومه بالاستغفار والرجوع إليه سبحانه بين لهم أن هذه الصلة الحسنة بالله تعالى تزيدهم قوة في أمر دينهم ودنياهم (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم) (هود:52).
الأساس الثاني: الاستجابة الكاملة لله تعالى ..
ففي قوله تعالى لبني إسرائيل (خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ) (البقرة:93) أتبع الله عز وجل أمره بأخذ ما آتاهم بقوة بأمر آخر وهو السماع المطلق والاستجابة الكاملة له سبحانه، ليدلنا ذلك بطريق الإشارة على أن مما تتحقق به القوة في الدين سماع أمر الله عز وجل، والإنصات له، والعمل بموجبه، ليتم تحقيق العبودية الشاملة له بعد ذلك. وإذا أعرض الإنسان عن سماع أمر ربه تعالى، أو سمع ولم يجب الاستجابة الكاملة التي تغير محتواه ظاهرا وباطنا كان عرضة لأن يقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل من الذم وسوء العاقبة (قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) (البقرة: 93).
الأساس الثالث: اليقين بنصرة الله عز وجل لدينه.
Page 219