554
خلقًا وخُلقًا وقولًا وفعلًا وكرمًا وشرفًا وحسبًا ونسبًا بل كان ﵊ المثال الكامل الجامع لأشتات الفضائل والسجايا، الشامل لمتفرقات المواهب والمزايا.
قال العالم الاجتماعي فريد بك وجدي إن تخيلت الملوك في عروشها والقياصر في أبهتها رأيت أنه ﵊ أعلاهم في السيادة كعبًا وأعطفهم على رعيته وأشدهم على أعدائه صولة وأقواهم عليهم شوكة وإن تخيلت القواد وسط كتائبها وغطاريف الحرب بين صفوفها رأيته ﷺ أشدهم لها مراسًا وأقواهم في هيجائها بأسًا وأسرعهم في إدارة رحاها يدًا وأرحمهم في إصلاء لظاها أسلوبًا وإن تخيلت الفرسان في ثبات جأشها والشجعان في جلد أفئدتها رأيته ﷺ أصبرهم في غمراتها وأجلدهم في هياجها وأطعنهم بالرمح في صفوفها وأضربهم بالسيف في نحور فرسانها وإن تخيلت الفلاسفة في حكمتها والمتشرعين في دقة نظرها في أدواء الأمم وعلاجها رأيته صلة الله عليه وسلم أحكم العالم قولًا وعملًا وأنفذ في علل الأمم وطبها نظراتً وإن تخيلت الشعراء في سعة خيالها وسبحها في بحار الابتكار وغوصها رأيته ﷺ أبعد منهم في مجال وصف الحقائق مرمى وأكثر منهم لشوارد المعاني المبتكرة إصابة وإن تخيلت الخطباء في منابرها وهي تخلب الأفئدة بسحرها وتأسر الألباب ببيانها رأيته ﷺ أحسنهم بضروب الكلام علمًا وأكثرهم لأفئدة سامعيه أسرًا وإن تخيلت الزهاد في صوامعها والعباد في محاريبها رأيته ﷺ في الزهد صاحب العلم الأرفع والمقام الأول والعبادة النموذج الأكمل والمثال الأجمل.
من أي جهة نظرت إلى سيد العالمين رأيته فيها نسيج وحده ووحيد عالمه فاق كل فائق في صفته وبز كل سابق في خاصيته وفات كل ذي كمال في كماله الخ ما قاله ذلك الكاتب الكبير وهو قليل من كثير مما منحه الله تعالى لهذا الرسول الأعظم ﷺ فقد أوتي من الحكم البالغة والعلوم الباهرة والسياسة العادلة ما بهر العقول وأخذ بالألباب وهو مع هذا أمي لا يقرأ كتابًا ولا يخطه بيمينه وقد نشأ في قوم أميين في بلد ليس فيها عالم يعرف أخبار الماضيين وسير الأوليين. ما هذا إلا موهبة إلهية ووحي سماوي (وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا).
كم فتح الله ببعثته أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا ونجى به نفوسًا هلكى وأرواحًا غرقى

19 / 2