Revue des Réalités
مجلة الحقائق
ـ[مجلة الحقائق (الدمشقية)]ـ
أصدرها: عبد القادر بن محمد سليم الكيلاني الإسكندراني (المتوفى: ١٣٦٢هـ)
صدر منها: ٣٤ عددا
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد]
العدد ١ - بتاريخ: ٧ - ٨ - ١٩١٠
Page inconnue
الدين الإسلامي والتوحيد الحقائق ج١ م١
مباحث دينية
الدين الإسلامي والتوحيد
ليس من الصعب على من منح عقلًا ساميًا وفكرًا نيرًا ورزق براعة في الاستدلال ومهارة في الاستنباط أن يستعمل النظر فيما أسس عليه الدين الإسلامي من توحيد وتصديق وعلم وبرهان وتعبد وإذعان وأمر ونهي لتنكشف له حقيقته ويعلم سر قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا).
تأمل أيها المستدل في حجته القويمة ومحجته الواضحة وسيرته الغراء وطريقته الحنيفة السمحاء تجد ما يبهر العقول ويدهش الألباب.
سما بأمته في مدة وجيزة إلى أعلى مراقي الكمال وصعد بها إلى ذروة المجد وشاهق العزة وقدَّسها عما كانت عليه الجاهلية قبل من أوصاف الهمجية وسفاسف الدنايا حتى سادت على العالم بما أحرزته من مقتضيات المدينة وامتازت على الأمم بالشهامة والشجاعة وتهذيب الأخلاق وتسديد الأحكام، تدبرايها الواقف على أحوال سير الأمم في هذا الدين تراه أرشد معلم يهدي الأنفس إلى اكتساب الفضائل واقتناء العلوم والمعارف وأجل أستاذ يطبع الأرواح على مكارم الصفات ومحاسن الآداب.
كان الناس في حيرة وتردد وتقاطع وتبدد في أسر الوسائط والشفعاء وتحت سيطرة المتكهنة والعرفاء يقودهم الجهل إلى أضيق المسالك ويسوقهم الغي إلى مهامة المهالك فجاء الإسلام بالدين القويم والذكر الحكيم أشرقت شموسه وسطعت أنواره وانتشرت محاسنه وهبن نسمات عدالته فطفق الناس يدخلون فيه أفواجًا تصافحهم أيدي العناية وتعانقهم كواعب الهداية وتبشرهم دواعي الرحمة بالسعادة والفوز بالحسنى وزيادة محا الله به عبادة الأوثان والعادات السيئة والمذاهب الباطلة التي كانت عليها العرب في الجاهلية ووضع الأصر والغلال التي كانت على الأمم وأحل الطيبات وحرم الخبائث، ورفع الحجر الذي كان وضعه رؤساء الأديان على عقول السذج والضرائب التي كانوا يأخذونها من سفلتهم وجهالهم وأصبح المسلم عبدًا لله خالصًا من رق العبودية لكل ما سواه.
كم هدى الدين ضالًا والآن قاسيًا وهذب خشنًا وعلم جاهلًا ونبه خاملًا وأصلح من الخلق
1 / 1
فاسدًا فهو منبع العلم ومبعث الفضائل وسلسبيل الحكم فاض على الأمم فبث فيها روح الحياة المدنية (فاهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج) ابتدأ هذا الدين بالدعوة وكان الداعي إليه سيدنا (محمد) بن عبد الله الرسول المجتبى بأمر من ربه فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وبشر وأنذر ومازال يقتحم المخاطر ويتجشم المصاعب ويكابد خطوب الأسى وضروب الأذى من الكفار حتى شج وجهه وكسرت رباعيته ولم يصده عن التبليغ شي من ذلك بل كان يدعوهم إلى الدين بأنواع من الطرق المستحسنة بالخطابات البارعة والعبارات الباهرة.
فأصحاب البصائر النافذة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها كان يدعوهم بالدلائل القطعية اليقينية وأصحاب الفطرة السليمة والخلقة الأصلية الذين لم يبلغوا حد الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان كان يدعوهم بالمواعظ الحسنة والترغيب والترهيب.
وأصحاب الجدال والخصام والمعاندة كان يدعوهم بأحسن طريقة في المجادلة بالرفق واللين من غير غلظ ولا تعسف لأنه أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شبههم (أدع إلي سيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
شرف الله هذا الدين ببعثة رسوله ﵊ وأيده بالمعجزات الدالة على صدق دعواه وحماه من كل ما يكون قادحًا في مقامه العالي وأمر عباده على لسان نبيه أن يتلقوا الحكام التي شرعها بقبول وإذعان ولولا إرساله لما عرف الفرق بين الطاعة والمعصية ولا تميز الشقي من السعيد أخذ رسول الله صلى الله عليه ولسم يسوس الناس حتى جمع كلمتهم ووحدها وآلف بينهم وألف وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم بما طبعه الله عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وساوى بينهم فيما حكم الله لا رفيع في الحق ولا وضيع فأصبح المسلمون أقوياء أشداء أعزاء رحماء.
استقام أمر المسلمين في عز ومجد وسؤدد وفخار إلى ما شاء الله أن يكون حتى وقع ما وقع في زمن عثمان رضى الله عنه وفتح للناس باب التعدي للحدود ووقعت الحروب بين المسلمين إلى أن أفضت الخلافة إلى الأمويين كل ذلك ولم يقف شيئ في سبيل الدعوة الإسلامية بل كان الناس يهرعون إلى الدخول في دين الإسلام فعلموا على توسيع دائرة مملكتهم وجردوا الجيوش وفتحوا المدن حتى وطئت حوافر خيولهم ما وراء النهر وفتحوا
1 / 2
إسبانيا وما جاورها من بلاد الإفرنج إلى نهر تورس وحولوا الاحتلال الموقت إلى السيادة الدائمة.
ثم لما ظهر ضعف بني أمية بعد ذلك واضطرابهم هان على الناس الخروج عن طاعتهم وتوفق العباسيون يومئذ إلى رجل فارسي يدعى أبا مسلم الخراساني فأنقذوه في طلب البيعة لهم في خراسان لبعدها عن مركز الخلافة فتوفق توفيقًا عجيبًا حتى أدني الخلافة لبني العباس وسلم أزمتها إلى السفاح أول خلفائهم اعتمد العباسيون على جماعة من الفرس تظاهروا بالعدالة والاستقامة فاتخذوهم أنصارًا في عواملهم السياسية وأعلوا مراتبهم وأجلسوهم على منصة الرفعة والعز وكان الكثير منهم ليس من الدين في شيئ بل كان منهم طوائف ضالة مضلة كالمانوية والباطنية والإسماعيلية وغيرهم من الطوائف المارقة وهكذا إلى أن ظهرت المعتزلة وتفرقت الأمة المحمدية فأخذوا يضلون الناس ويدعونهم إلى اتباعهم والنأسي بأقوالهم وأفعالهم فظهر الإلحاد وفشت الزندقة وكثر الغى واستفحل الأمر فصدر أمر المنصور بتأليف كتب لإظهار شباتهم ودحض دعاويهم الباطلة.
كانت الأوائل من الصحابة والتابعين لسلامة عقائدهم وقلة الوقائع والاختلافات في زمنهم مستغنين عن تدوين على أصول الدين وفروعه أعني التوحيد والفقه فلما حدثت الفتن اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثر جدال المبتدعه وتقووا بحيث لا يمكن زجرهم اشتغل علماء الدين بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع وتبين المذاهب. أول من أظهر الخلاف من فرقة المعتزلة وأصل بن عطاء وكان في مجلس الحسن البصري فقال رجل للحسن يا إمام زعم أناس كفر من فعل كبيرة وقال آخرون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة فما الحق في ذلك فأطرق مليًا لينظر فأسرع وأصل بإثبات المنزلة بين المنزلتين وعقد له مجلسًا وقال الناس ثلاثة (مؤمن، وكافر، ولا مؤمن، ولا كافر) فقال الحسن اعتزلنا وأصل ثم تعاظم الأمر لما عرب المأمون العلوم الفلسفية وكان طلبها من اليونان فضنوا بها فلم يزل حتى أرسلوها وخلطت تلك الشبه فكانت المعتزلة ينتحلون منها وذلك أن من قواعد الفلاسفة أن واجب الوجود لا يكون إلا واحدًا من جميع جهاته أخذت منه المعتزلة نفى صفات المعاني ومن قواعدهم التأثير بالتعليل ونفي الاختيار بإثبات اللزوم أخذوا منه
1 / 3
وجوب الصلاح والأصلح ومن قواعدهم أن الرؤية بأشعة تتصل بالمرئي أخذوا منه أن الله لا يرى ومنها تأثير العقول أخذوا منه أن العباد يخلقون أفعالهم الاختيارية وكل ذلك باطل مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة كما هو مقرر في محله أن علماء الإسلام ما صنفوا كتب القواعد ليثبتوا في أنفسهم العلم بالله تعالى وإنما وضعوا ذلك ردعًا وسلم بالخصوص وإعادة الأجسام بعد الموت ونحو ذلك مما لا يصدر إلا من كافر فطلب علماء الإسلام إقامة الأدلة على هؤلاء ليرجعوا إلى اعتقاد وجوب الإيمان بذلك فكان البرهان عندهم كالمعجزة التي ينساقون بها إلى دين الإسلام.
الأدلة على وجود الصانع وتوحيده تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلوب والطبيب أن لم يكن حاذقًا مستعملًا للأدوية على قدر قوة الطبيعة وضعها كان إفساده أكثر من إصلاحه كذلك الإرشاد بالأدلة إلى الهداية إذا لم يكن على قدر إدراك العقول كان الإفساد للعقائد بالأدلة أكثر من إصلاحها وحينئذ يجب أن لا يكون طريق الإرشاد لكل أحد على وتيرة واحدة فإن الناس تتفاوت بحسب مراتبهم واستعدادهم.
فمن آمن بالله وصدق الرسول واعتقد الحق وأضمره واشتغل بعبادة أو صناعة فلا ينبغي أن تحرك عقيدته بتحرير الأدلة فإنه ﵊ لم يطالب العرب في مخاطبته أياهم بأكثر من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو يقين برهاني وغير المؤمن الجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المصر على الباطل لا تنفع معه الحجة والبرهان وإنما ينفع معه السيف والسنان إن كثير من الكفرة أسلم تحت ظلال السيوف ومن استقرأ التاريخ لم يصادف ملحمة بين المسلمين والكفار إلا انكشفت عن جماعة من أهل الكفر مالوا إلى الانقياد. وأما الشاكون الذين فيهم نوع الذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي فينبغي أن يتلطف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم بالأدلة البرهانية لقصور عقولهم عن إدراكها.
وأما الفطن الذكي لا يقنعه الكلام الخطابي فتجب المحاجة معه بالدليل القطعي البرهاني فقد تبين أن أقسام الخلق أربعة وكل منهم له مرتبة في طريق الإرشاد يخاطب بحسبها فيما يناسب حالة فلا ينبغي أن يساوي بين الناس بالخطاب بالإرشاد كما هو دأب أهل التعصب الذين نصبوا للناس شرك التزلزل في عقائدهم ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير
1 / 4
والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة حتى عسر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها.
إذا تمهد هذا فعلينا أن نلتزم طريقة سهلة المأخذ جديرة في النفع واضحة البرهان ظاهرة الحجة ونتباعد عنا يشوش عقائد العامة ويدخل عليهم الريب من نشر الشبه والرد عليها إذا لا يلزمنا أن نطيل المشاغبة في اللوازم إلا عند الاقتضاء وقصارى مطلوبنا تقرير الأدلة الإقناعية والقطعية فالأولى للقسم الثالث والثانية للقسم الرابع:
1 / 5
الفقه والفقهاء
كلمة في الفقه والفقهاء
(من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) منقبة جليلة، ومأثرة عظيمة، ذكر كريم، ووصف جسيم، اعتناء باهر، وإكرام ظاهر، مجد شامخ، وفضل باذخ، خص به فقهاء الدين وحملة الشرع القويم على لسان أفضل البشر وسيد المرسلين عليه من الله أذكى صلاة وأتم تسليم.
نوهت هذه الجملة بفضل المتفقهين وأبانت مركزهم في هذه المجتمع بأنهم خيرته من أفراده، وصفوته من رجاله، وهم (والحق يقال) جديرون بهذه المكانة، حقيقيون بتلك المرتبة لما لهم من الأيادي البيضاء في خدمة الدين بتأسيس قواعده وتشييد مبانيه واستخراج فروعه من أصوله وأحكام أبوابه وفصوله إلى غير ذلك من الأعمال التي دأبوا عليها الأزمنة التي لا تنحصر والأوقات التي لا تعد حتى بينوا محاسن الشريعة كالأنجم الزهر، أو كالغرة في جبين الدهر، فجزاهم الله خيرًا.
خلفهم خلف (وبئس الخلف هم) غمصوا حقوقهم وغضوا من فضلهم وجاوزوا إلى تزييف آرائهم وإبطال أقوالهم زاعمين أن غالبها لا مأخذ له من كتاب، ولا استناد به إلى سنة، ولا تعويل فيه على إجماع ولا اعتماد به على قياس، لا يوافق المعقول ولا ينطبق على المدنية بل هو خيالات تخيلوها وأكاذيب أفتروها حتى أخذوا يزينون لكل من علت رتبته في العلم أو نزلت أن يستقل بنفسه ويأخذ الأحكام التي تتعلق به من أدلتها ويرمي بأقوال أولئك الأئمة عرض الحائط وهناك والله الطامة الكبرى من محو الشريعة وتفريق الأمة (حمانا الله من ذلك) نقول هذا ولا نرتاب في أن فتح هذا الباب (باب الاجتهاد) وترك أقوال أئمة عظام وجهابذة فخام أحاطوا بالعلوم العربية من جوانبها وعلموا أصول الشرع وقواعده واستظهروا الكتاب وتأويله وحفظوا المائة ألف والمائتين منم أحاديث السنة بأسانيدها وتراجم رجالها وعرفوا الناسخ والمنسوخ ووقائع الأحوال وأسباب النزول مع ذكاء باهر، وفطنة متوقدة، نعتاض عنها بأراجيف من علم من الصرف الثلاثىَّ المجرد ومن النحو الفاعل والمفعول ومن غامض اللغة مادة أو مادتين ومن تفسير الكتاب تفسير آية أو آيتين ومن الأحاديث نزرًا تلقفه من الأفواه لم يعلم سنده، ولا حال رجاله، لا أطلاع له على شيء من باقي العلوم إلا ما كان من شعر ينشده ونثر يسرده (وهذه حالة فغالب مدعى العلم في
1 / 6
هذا العصر المؤهلين أنفسهم لهذا الشأن) خرق كبير في الدين، وجناية على الأمة غفرانك اللهم، هذا وأن مجلتنا هذه بما هي معترفة به من العجز ومذعنة فيه من القصور متكلفة بالجواب عما يرد إليها من الأسئلة عن أدلة الأحكام الشرعية التي نقلت عن الأئمة الأربعة أو أحدهم نأتى بها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس مطبقة على المعقول مشيدة على أصول المدنية وبالله التوفيق ومنه المعونة.
1 / 7
اللغة العربية
مجلة الحقائق
لا يخفى مسيس الحاجة إلى مزيد العناية بشأن هذه اللغة الشريفة التي اختصت بمزايا ترتاح إليها النفوس الزكية والأحلام الراجحة وحسبها شرفًا مخلدًا أنه قد ورد الذكر الحكيم وحديث أفصح من نطق بالضاد وأوتي جوامع الكلم ﵊، ولم يزل المولى سبحانه وسعدانه يقيض لهذه اللغة الكريمة من رجال العلم والأدب من يعني بضبط أصولها وفروعها وحفظ قواعدها وشواذها وبيان فصيحها وأفصحها مع التنبيه على ما يطرأ عليها من تحريف أو تصحيف أو تغيير وتبديل حتى بلغت العناية ببعض حفاظها من رجال السلف أنه بينما كان هائمًا في بعض القفار هربًا من بأس الحجاج التقفى إذ سمع أحد فصحاء العرب من الثقات الإثبات يقول مات الحجاج ويتمثل بهذين البيتين:
لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف غماؤها بغير احتيال
ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
فقال ما أدري بأيهما أنا أشد فرحًا أبموت الحجاج الذي تخلصت من شره أم بسماعي هذه الكلمة (فرجه) بالفتح ممن يوثق بكلامه ويعتد به بعد أن طال ترددي فيها والتماسي للوجه الأفصح من هذه الوجوه الثلاثة (فتح الفاء وكسرها وضمها) فتأمل يا رعاك الله هذا التجرب في تلقي الكلمات العربية وقايس بين هذا الاعتناء وبيت التهاون الذي بلغ في زماننًا مبلغًا يقضى بالأسى والأسف ويكاد المرء ييأس معه من تصحيح الأغلاط المتداولة على الألسنة وتنفتح هذه اللغة الكريمة مما شوه وجوه كرائمها وأوشك أن يودي بنضارة محاسنها فترى بعضنًا تعرض له الألفاظ العويصة والكلمات التي تستبهم وتستغلق عليه فيقدم على سردها ويلوكها بلسانه غير مبال بضبطها ولا مكترث بتحقيقها وربما كانت معاجم اللغة إلى جانبه وعلى طرق الثمام منه ولا يمنعه منها إلا تكاسله وإلقاؤه الكلام على عواهنه خطأ كان أو صوابًا وقد أخذ هذا الداء يفشو وينتشر حتى سري إلى بعض الخواص الذين لا يتنازلون إلى كراجعة قواميس العربية فإذا وقع لأحدهم أشكال في لفظ أو التباس في كلمة طفق يكررها ويعيدها ويعرضها على لسانه كأنها أكلة يذوقها أو لقمة يتطعمها ثم يقول مثلًا الفتح عندي هو الصواب أو الضم أخف وأرشق أو الكسر الطف
1 / 8
وأسلس وما أشبه ذلك مما يدل على دعوى الاجتهاد فيما هو من العلوم النقلية التوقيفية التي لا مجال للعقل فيها وقد كان أبو علي القالي وهو من هو علمًا وأدبًا وفضلًا إذا استعجمت عليه كلمة فزع إلى كتب اللغة ولم يجسر على الحكم فيها برأيه شأن الموثوق بهم من علماء اللغة وأئمة العربية ومما يحكى عن أبي علي هذا أنه كان يقتني نسخة من الجمهرة بخط مؤلفها أبي بكر بن دريد وكان قد أعطى بها ثلاثمائة مثقال فأبى ولم يقبل ثم اشتدت به الحاجة حتى اضطرته أن يبيعها بأربعين مثقالًا إلا أن الذي اشتراها أعادها له ومعها أربعون دينارًا منحه أياها بباعث الشهامة والمروءة ومكارم الأخلاق حيث رأى عليها بخطه هذه الأبيات:
أنست بها عشرين عامًا وبعتها ... وقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظنى أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لعجزي وافتقاري وصبيةٍ ... صغار عليهم تستهل شؤني
فقلت ولم أملك سوابق عبرتي ... مقالة مكوي الفوآد حزين
لقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين
هكذا كان حرص علماء السلف على كتب اللغة ومراجعتها وقد قام اليوم من نوابغ العصر قوم أخذوا يحمون حوزة هذه اللغة ويذبون عنها باسنة أقلامهم وأسلات ألسنتهم فعسى أن تعود بهم إلى سابق عها وسامق مجدها حيث نحظى بطيب نشرها الجميل ونتعزز بها على فهم أسرار الحديث والتنزيل والله المرجو لتحقيق ذلك وعليه التكلان ومنه التوفيق.
هذا وقد رأينا أن ننشر في هذه المجلة ما يقتضيه الحال من المباحث اللغوية مفتتحين ذلك بتحقيق معني هاتين الكلمتين (مجلة الحقائق) نقلًا عن أمهات كتب اللغة.
(المجلة) بفتح الميم والجيم واللام المشددة بعدها تاء مربوطة. هي الصحيفة تكتب فيها الحكمة وكل كتاب عند العرب مجلة وفي حديث سويد بن الصامت ﵁ أنه قال لرسول الله ﵊ لعل الذي معك مثل الذي معي قال وما معك قال مجلة لقمان أي كتاب فيه حكمة لقمان وقال ابن الإعرابي أحد أئمة اللغة قلت لإعرابي ما المجلة وكانت في يدي كراسة فقال هي التي في يدك وكان ابن عباس ﵄ إذا أنشد شعر أمية قال مجلة أبي الصلت قال الراغب ويسمي المصحف محلة وقال النابغة الذبياني:
1 / 9