ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Maison d'édition
دار القاسم
Année de publication
1427 AH
١٥- قياس توبة التائب على توبة المحارب:
قال ابن القيم - رحمه الله -:
فصل:
قياس توبة التائب على توبة المحارب:
وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه دون غيره، فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق؟ بل نصه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى فإنه إذا دفعت توبته عنه حد حرابه مع شدة ضررها وتعديه فلأن تدفع التوبة ما دون حد الحرابة بطريق الأولى والأحرى وقد قال الله تعالى ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقال النبي ﷺ ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) والله - تعالى - جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم ورفع العقوبة عن التائب شرعاً وقدراً فليس في شرع الله ولا قدره عقوبة تائب البتة، وفي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: ((كنت مع النبي ﷺ فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه عليَّ قال: ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه الرجل فأعاد قوله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم! قال فإن الله -عز وجل - قد غفر لك ذنبك)) فهذا لما جاء تائبا بنفسه من غير أن يُطلب غفر الله له ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به وهو أحد القولين في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصواب، فإن قيل: فماعز جاء تائباً والغامدية جاءت تائبة وأقام عليهما الحد، قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين ولا ريب أن الحد أقيم عليهما وبهما احتج أصحاب القول الآخر.
وسألت شيخنا عن ذلك، فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر وأن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ما عز ((هلا تركتموه يتوب فيتوبُ الله عليه)) ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به :
575