Révélation de l'ère sur les secrets des gens de l'ère
Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي ليلة الجمعة سابع عشري الشهر مات الشيخ علي العجمي المحتسب، المعروف في بلاده بيار علي، بالخانكة عن نحو ثمانين سنة فيما أظن، وكان شافعي المذهب، يحفظ من الروضة شيئا، ومن تفسير الإمام فخر الدين كذلك، ومن غير ذلك، ويذاكر به، يرى أنه من طلبة العلم، وطال أطول الناس في هذا الزمان وكان لما ورد من بلاد العجم حصل بينه وبين الأمير سودون من عبد الرحمن، صحبة في بلاد العجم إذ كان هاربا بها، فلما ورد يار علي إلى هذه المملكة وجده بها من أكابر الأمراء، وكان قد بنى في مدينة الخانكة مدرسة فجعله شيخها ثم جعله وصيه لما مات، فحسنت حاله إلى أن صار يركب فرسا إذا قدم إلى القاهرة، لتعاطي ضروراته، ولكن كان مع ذلك فقيرا، ولا سيما لما بعد الوقت من موت الأمير سودون، وانقطع عنه رفده، وكان إذا قدم القاهرة تقرب إلى بعض رؤسائها، وكذا إذا قدم عليه أحد إلى الخانكة، وكانت بينه وبين المحب ابن الأشقر عداوة، وكان يتردد إلى أمير آخور جقمق، وكان جقمق شديد البغض لابن الأشقر، فلما ولي جقمق السلطنة قرب الشيخ علي، فصار يتقرب إليه بما يحبه من ماله ونحوه، فعظم عنده، فنظرت إليه الأعين، وقصده بعض الناس، فعظمت دنياه، وكان قبل ولاية الظاهر حوط قدام مدرسة سودون شيئا يسيرا يكون مانعا لمن ينزل هناك من المسافرين بداء به من أذى، فهدمه ابن الأشقر، فلما عظم الشيخ علي عند الظاهر أعاد ذلك على أوسع ما قدر عليه، وبنى هناك أملاكان من خانات، ودكاكين، وسكن، وغير ذلك، وسار في الخانكة سيرة حسنة، استجلبت الناس إليها، بحيث سكن الناس أملاكه، واتخذوا إلى جانبها العمائر، وازدحموا هناك، حتى كادوا يغزوا ناحية ابن الأشقر، وهي ناحية الخانقاه، وبنى بابي القصبة التي يسلكها المسافرون، وهو كان سبب بناء غالبها، فاستمرت العمارة، حتى طبقت ما بين البابين، واستمر يعظم عند الظاهر، حتى ولاه حسبة مصر القديمة، فسار بها أحسن سيرة، فضم إليه حسبة القاهرة، فأحسن السيرة قليلا، ثم مد يده بلباقة، فاتسعت دنياه، وعظم شأنه، وحصل لابن الأشقر بذلك ضرر، وكانت بينه وبينه روس، وغرمه أموالا جمة، ثم أخذ منه نظر الخانقاه، ومشيختها وكان في أيام حموله قد صنع فيما كان يتقرب به صورة حمار من تخطيط كتابة، قوله سبحانه وتعالى: {وانظر إلى حمارك} وجعل دائرة الواو دبر الحمار، فذكر ابن الأشقر ذلك، وأغرى به من تكلم فيه عند الظاهر، وكانت حقيقة الظاهر، أن لا حقيقة له مع أحد، فأمكن منه، فادعي عليه عند قاضي القضاة سعد الدين بن الديري، ثم خلص من ذلك ولم يحط من رتبته عند الظاهر؛ لأنه كان يبذل له من المال ما يقبل بقلبه، ويتقرب إليه بما يحبه، فاستمر معظما حتى مات الظاهر، ثم استمر بعده يقوم ويقعد حتى حصلت له علقة لازمته شهورا كثيرة، فانتقل إلى الخانكة في محفة، فتماثل، ثم انتكس فمات، وكان عارفا بما يدخل فيه، يجيد إتقانه ويمهر فيه في أقرب مدة، وكان له كلام سديد، وأجوبة ممتعة، وخلف ولدين رجلين، يوسف وهو بزي الجند، ومحمد وهو بزي الفقهاء رحمه الله.
وفي هذا الشهر، أو الذي قبله مات الفاضل البارع محمد المسلاتي المغربي، وكان شابا قصيرا ضئيلا دميما أسمر خفيف اللحية، وكان فاضلا في النحو فائقا فيه، يتكلم في كتاب سيبويه، وكان متقدما في المعقولات، مشاركا في الفقه، فصيحا، قادرا على استخراج ما يتكلم فيه من القواعد العلمية، عارفا باستعمال الآلات فيه، جيد النظر، مديد الباع في المناظرة، وكان فقيرا جدا رحمه الله.
آخر المنادات على البحر:
وفي يوم السبت ثامن عشري ذي القعدة، وهو الموافق لعاشر بانه، دار منادي البحر للوداع، يخبر أن البحر استقر على ست عشرة إصبعا من تسعة عشر ذراعا.
Page 388