370

Ibn Hanbal : Sa vie et son époque – Ses opinions et sa jurisprudence

ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه

ومن المقرر عند جمهور الحنابلة أن هذا الفريق من المجتهدين لا يصح أن تخلو الأمة منه في عصر من العصور، وقد ذكر ابن عقيل إجماع الأولين والمتأخرين إلى عصره من الحنابلة على ذلك، وقد قال في هذا الصنف ابن القيم ما نصه:

"هم الذين قال فيهم النبي ﷺ: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)، وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (لن تخلوا الأرض من قائم لله بحجته)"

٢٥٣ - والدرجة الثانية مجتهد مقيد في مذهب قد اختار صاحبه إمامًا له، واجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه، وأصوله، وتمكن في هذه المعرفة، والتخريج على أقوال الإمام وأصوله، وقياس ما لم يرد عن الإمام نص فيه - على ما ورد عنه فتوى فيه، ولا يكون مقلدًا للإمام في الحكم ولا في الدليل، ولكن كان اختياره للإمام، لأنه قد استقام اجتهاده في نظره في أكثر ما وصل إليه من فتاوى، وراجع أصوله ومآخذه، ومصادر الفتاوى فارتضى كل ذلك عن بينة واقتناع بالدليل، لا عن جهل وتقليد، ومجرد اتباع، ويقول ابن القيم في هذا القسم:

وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن موسى في شرح الإرشاد الذي له))

وقد ادعى بعض الحنابلة أن القاضي أبا يعلى، وغيره كانوا مجتهدين مستقلين من النوع الأول، لا من النوع الثاني، وقد قال ابن القيم أيضًا: (إن منهم من وصل إلى درجة الاجتهاد المستقل المطلق، وإن لم يصل إلى قدرة أحمد، ومنهم من كان دون ذلك، وقال في هؤلاء وأشباههم في المذاهب الأخرى ما نصه.

((ومن تأمل أحوال هؤلاء وفتاويهم، واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لأئمتهم في كل ما قالوه وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر، وإن كان منهم المقل والمستكثر)).

وهذا القسم يتقيد في اجتهاده بأصول الإمام، ولا يقيد تقييدًا مطلقًا بأقوال الإمام في الفروع، واختياره لأقوال الإمام من قبيل موافقة الدليل، لا من باب الاتباع المجرد، وتقييد نفسه بأصول ذلك الإمام من قبيل اقتناعه باستقامتها فى

م ــــ ٢٤

369