Ibn Hanbal : Sa vie et son époque – Ses opinions et sa jurisprudence
ابن حنبل حياته وعصره – آراؤه وفقهه
ونستطيع أن نجمع من هذه الروايات المختلفة غير المتعارضة العلم الذي كان يطلب أحمد من المفتي أن يحصله، فهو يطلب منه أن يكون على علم بالكتاب الكريم، والأسانيد الصحيحة والسنن النبوية وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين، وإن كان مخيراً فيها بل عليه أن يحصل كل ما تكلم فيه الفقهاء؛ ليكون على خبرة تامة بمعالجة الحوادث، والطب لها بالدواء الناجع، ويستعين بحلول السابقين للوقائع بعد دراسة هذه الحلول ومعرفة دليلها، والانتهاء إلى موافقتها لدليلها، لا لقائلها؛ فيفتي بها إفتاء المجتهد الموافق، لا المقلد التابع.
٢٥٢- وترى من هذا أن أحمد رضي الله عنه يشترط في المفتي أن يكون مجتهداً اجتهاداً مطلقاً، وكأنه أراد بهذا أن يبين ما يجب أن يكون عليه المفتي الأمثل، ولكن هناك درجات أخرى في الإفتاء دون هذه المرتبة.
ولقد قسم ابن القيم درجات المفتين إلى أربع درجات تبعاً لتقسيم درجات الاجتهاد، ولنذكر هذه الدرجات التي تعرض لها ابن القيم.
هذه الدرجات الأربع هي:
١ - المجتهد المطلق ،وهو العالم بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، وهو يجتهد في أحكام النوازل، ويقصد في استخراجها إلى ما يوافق الأدلة الشرعية حيث كانت، وقد يقع منه تقليد أحياناً. ويقول ابن القيم (لا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحياناً فلا تجد أحداً من الأئمة، إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي رضي الله عنه في موضع من الحج: ((قلته تقليداً لعطاء)).
وعندي أن التقليد في هذه الحالة ليس منشؤه الاتباع المطلق من غير تفكير، بل لأنه فكر، ووافق قوله قول عطاء، أو لأنه اجتهد وفكر، وتعارضت بين يديه الأمارات، فاستأنس بقول سابق وارتضى ما يوافقه، ولقد قال ابن القيم في هذا النوع إنهم هم الذين يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ للناس استفتاؤهم، ويتأدى بهم فرض الاجتهاد))
368