وَثَانِيهمَا أَنه أهل حِين صلى أَو حِين ركب نَاقَته أَو حِين أشرف على الْبَيْدَاء. وَبَين ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّاس كَانُوا يأتونه أَرْسَالًا، فَأخْبر كل وَاحِد بِمَا رَآهُ، وَقد كَانَ أول إهلاله حِين صلى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنَّمَا اغْتسل وَصلى رَكْعَتَيْنِ لِأَن ذَلِك أقرب لتعظيم شَعَائِر الله، وَلِأَنَّهُ ضبط للنِّيَّة بِفعل ظَاهر منضبط يدل على الْإِخْلَاص لله والاهتمام بِطَاعَة الله، وَلِأَن تَغْيِير اللبَاس بِهَذَا النَّحْو يُنَبه النَّفس، ويوقظها للتواضع لله تَعَالَى، وَإِنَّمَا تطيب لِأَن الْإِحْرَام حَال الشعث والتفل، فَلَا بُد من تدارك لَهُ قبل ذَلِك، وَإِنَّمَا اخْتَار هَذِه الصِّيغَة فِي التَّلْبِيَة لِأَنَّهَا تَعْبِير عَن قِيَامه بِطَاعَة مَوْلَاهُ وتذكر لَهُ ذَلِك، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يعظمون شركاءهم، فَأدْخل النَّبِي ﷺ لَا شريك لَك " ردا على هَؤُلَاءِ وتمييزا للْمُسلمين مِنْهُم، وَيسْتَحب زِيَادَة سُؤال الله رضوانه وَالْجنَّة واستعفاءه برحمته من النَّار.
وَأَشَارَ جِبْرِيل ﵇ بِرَفْع أَصْوَاتهم بِالْإِحْرَامِ والتلبية وَقَالَ رَسُول الله ﷺ
(مَا من مُسلم يُلَبِّي إِلَّا لبّى مَا عَن يَمِينه وشماله من حجر أَو شجر أَو مدر حَتَّى تَنْقَطِع الأَرْض من هَهُنَا وَهَهُنَا) أَقُول: سره أَنه من شَعَائِر الله، وَفِيه تنويه ذكر الله، وكل مَا كَانَ من هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ يسْتَحبّ الْجَهْر بِهِ، وَجعله بِحَيْثُ يكون على رُؤُوس الخامل والنبيه، وبحيث تصير الدَّار دَار الْإِسْلَام، فَإِذا كَانَ كَذَلِك كتب فِي صحيفَة عمله صُورَة تَلْبِيَة تِلْكَ الْمَوَاضِع:
وأشعر رَسُول الله ﷺ نَاقَته فِي صفحة سنامها الْأَيْمن وسلت الدَّم عَنْهَا وقلدها نَعْلَيْنِ أَقُول: السِّرّ فِي الْإِشْعَار التنويه بشعائر الله وَأَحْكَام الْملَّة الحنيفية يرى ذَلِك مِنْهُ الأقاصي والأداني، وَأَن يكون فعل الْقلب منضبطا بِفعل ظَاهر:
وَولدت أَسمَاء بنت عُمَيْس بِذِي الحليفة فَقَالَ لَهَا " اغْتَسِلِي واستثفري بِثَوْب وأحرمي " أَقُول: ذَلِك لتأتي بِقدر الميسور من سنة الْإِحْرَام.
وَقَالَ النَّبِي ﷺ حِين حَاضَت عَائِشَة ﵂ بسرف: إِن ذَلِك شَيْء كتبه الله على بَنَات آدم فافعلي مَا يفعل الْحَاج غير أَلا تطوفي بِالْبَيْتِ حَتَّى تطهري " أَقُول: مهد الْكَلَام بِأَنَّهُ شَيْء يكثر وُقُوعه، فَمثل هَذَا الشَّيْء يجب فِي حِكْمَة الشَّرَائِع