حاشية ابن حجر الهيتمي على الإيضاح في مناسك الحج
حاشية ابن حجر الهيتمي على الإيضاح في مناسك الحج
Maison d'édition
المكتبة السلفية ودار الحديث
Lieu d'édition
بيروت
الجمرة من مِنى، ومِى الْجَمْرَةُ التى بَايَعَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأنْصَارَ عندها قبلَ الهِجْرَةِ.
وَأَمَّا الأعْمَالُ المَشْرُوعَةُ يومَ النَّحْرِ فهى أربعةٌ: رَمْىُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ ذَبْحُ الْهَدْىِ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ الطَّوَافُ إلى مَسْعَى لِطَوَافِ الإِفَاضَةِ. وهى على هذا التَّرْتِيبِ مُسْتَحَبَّةٌ، فلو خَلَفَ فَقَدَّم بَعْضَهَا على بعضِ جَازَ وفَاتَتْهُ الفَضِيلَةُ.
( قوله وليست العقبة إلخ ) قد علمت أنه فى المجموع نقله عن الأزرقى والأصحاب فهو المعتمد أيضاً، وقول المحب إنها منها ضعيف بالمرة فقد قال الشافعى رضى الله عنه حد منى ما بين قرنى وادى محسر إلى العقبة التى عندها أى بلصقها الجمرة الدنيا إلى مكة وهى جمرة العقبة وليس محسر ولا العقبة من منى اهـ. وغفل عن هذا من لا تحقيق عنده حيث قال اعتماداً لكلام المحب أهل مكة أدرى بشعابها، ولم يدر أن الشافعى أدرى بشعاب مكة من ألوف مثل المحب، فاتضح اندفاع ما قاله هنا وفى الجمرة، ومر عن عطاء التصريح بما يوافق كلام الشافعى. وما فى الموطأ عن عمر رضى الله عنه لا يتبين أحد من الحجاج من وراء العقبة حتى يكون بمنى اهـ. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس ومجاهد نحوه، فهو لا يفهم أن العقبة من منى لأن شرط اعتبار مفهوم المخالفة ألا يكون للمذكور سبب آخر كما هنا، فإن التنصيص على وراء العقبة إنما هو لكون الناس كانوا يقصدونه بالنزول فيه لسعته وبعده عن الزحمة وسهولة ذهابهم منه إلى مكة لقضاء حوائجهم وعودهم إلى منازلهم فنص على وراء العقبة لذلك لا لكونها تخالف ما وراءها بل هما جميعاً خارج منى. فإن قلت على العقبة الآن رسم دار قيل إنها لمتأخر علماء الطبريين، قلت إن صح سكنى ذلك عن أحد من علمائهم فهو منه تقليد لرئيسهم المحب فى أن العقبة كلها من منى وقد علمت رده بل تزييفه بكلام الشافعى والأصحاب. والحاصل أن فى المسألة رأيين هما من منى وهو ضعيف ليسا منها وهو المذهب. وأما ما أفهمه كلام بعضهم أن الجمرة منها دون العقبة إلا الجزء الذى عنده الجمرة وأن من قال إن العقبة منها مراده ذلك الجزء ومن قال ليست منها مراده بقيتها فهو رأى له استحسانى ضعيف جداً لا مستند له فلا يعول عليه، وكأنه نقل عن عطاء حد منى رأس العقبة مما يلى منى إلى محسر، فهذا صريح فى أن هذا الرأس وما اتصل به إلى آخر العقبة مما يلى مكة ليس من منى فدخل فيه ذلك الجزء الذى زعم أنه من منى كما يدخل فيه جميع العقبة فتكون كلها خارجة عن منى كما تقرر. ثم فى هذا الرأى شىء آخر من القصور إذ كيف يعقل الحكم على الجمرة وملاصقها من العقبة أنه من منى وما سامت ذلك مما أمام الجمرة ووراءها بأنه ليس من منى، فتأمله.
351