Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
وإذ استسقى موسى لقومه لما عطشوا في التيه. فقلنا اضرب بعصاك الحجر اللام فيه للعهد على ما روي أنه كان حجرا طوريا مكعبا حمله معه وكان ينبع من كل وجه ثلاث أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة قوله تعالى: (و إذ استسقى موسى) أي واذكروا ما أنعمت به عليكم إذ سأل الله موسى لقومه أن يسقيهم الماء. وسين استسقى للطلب على وجه الدعاء وهذا تذكير للنعمة التاسعة من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل وهي جامعة لنعم الدنيا والدين. أما اشتمالها على نعمة الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم حاجتهم الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه عطشا، كما أنه لولا إنزال المن والسلوى لهلكوا من الجوع. وأما اشتمالها على النعمة الدينية فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه ومن أوضح ما يدل على صدق موسى عليه السلام، وفيه دلالة على أن حدوث العالم إنما هو بطريق كونه مبدعا لا من شيء لأنه تعالى قد أخرج بلطفه وقدرته من حجر صغير يحمل وينقل إلى أي مكان يراد ماء يكفي خلقا لا يحصى عددهم، وفجر منه أنهارا لكل فريق نهر على حدة. وليس بمحتمل أن يكون ذلك الماء بكليته محفوظا فيه لصغره ولا أن يخرج من الأرض التي تحته وهو ظاهر، فظهر أن الله تعالى كان ينشىء ذلك الماء فيه ويحدثه لا من شيء، وإذا كان الله تعالى قادرا على هذا كان قادرا على إنشاء العالم لا من شيء سبق وأصل تقدم.
وكذلك إنشاء الله تعالى الثعبان المبين والحية التي تسعى من العصا بطريق الإبداع بلا مادة ومن قدر على إبداع هذه المذكورات من غير مادة سبقت قدر على إبداع جميع العالم.
كذلك فإن قلت: لا شك أن تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى كان في التيه وأن عطشهم واستسقاء موسى عليه السلام لأجلهم كان في التيه أيضا، ودخول القرية وما يتعلق به من النعم كان بعد الخلاص من التيه فكان الظاهر أن يذكر النعم الواقعة في التيه ثم يذكر ما وقع بعد الخلاص منه، فلم لم يكن الترتيب في الذكر على حسب الترتيب في الوقوع؟
أجيب بأن المقصود تكثير ما أنعم الله تعالى به على بني إسرائيل وتقريعهم على كفران كل واحدة منها على التفصيل، ولو أورد ما وقع في التيه أولا ثم أورد ما وقع بعد الخلاص منه لربما يظن أن المراد عدما يتعلق بكل موضع نعمة واحدة وتقريعهم على ترك شكرها فإن ما يتعلق بموضع واحد وإن كان نعما متعددة في أنفسها إلا أنها عرضت لها وحدة باعتبار وحدة ما وقعت هي فيه.
قوله: (اللام فيه للعهد) يعني أن الله تعالى أمره عليه السلام أن يضرب حجرا بعينه. ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول أنه كان حجرا طوريا رفعه موسى عليه السلام وحمله معه وكان حجرا خفيفا مثل رأس الإنسان. وقيل: مثل رأس الهرة. وقيل: مثل
Page 62