573

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
•
Empires & Eras
Ottomans

اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط وإن نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر. وقيل: أراد بها ما أنعم الله به على آبائهم من الإنجاء من فرعون والغرق السلام، وعيسى والمسيح عليه السلام، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، والياس وذو الكفل عليهم الصلاة والسلام. قال الإمام أبو منصور: والخطاب في قوله تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي لليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فإنهم من أولاده، فإن هذا خطاب لقوم محمد وعيسى عليهما السلام الذين كانوا في زمنهما.

قوله: (بالتفكر فيها والقيام بشكرها) متعلق بقوله تعالى: اذكروا والذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد يكونان باللسان والجنان. وقال الكسائي: هو بالكسر للسان وبالضم للقلب، فضد المكسور الصمت وضد المضموم النسيان. وبالجملة فالذكر الذي محله القلب ضده النسيان والذي محله اللسان ضده الصمت سواء قيل: إنهما بمعنى واحد أم لا كذا في اللباب. ولما لم يكن لحمل الذكر ههنا على الذكر اللساني كثير لطف حمله المصنف على الذكر القلبي المضاد للغفلة والنسيان على معنى: تفكروا في أن تلك النعم لم يقدر عليها أحد غير الله تعالى وتيقنوا بأن كلها من الله تعالى، والقوم كانوا يعرفون ذلك ويعتقدونه ولا يغيب ذلك عن قلوبهم إلا أنهم لما لم يشكروها حق شكرها صاروا كأنهم نسوها وغابت عن قلوبهم فأمروا بتذكيرها تبكيتا لهم على ترك شكرها ومخالفة حكم منعهما. قوله: (وتقييد النعمة بهم) إشارة إلى أن المراد بالنعمة المذكورة ههنا ما أنعم به على جميع البشر من خلقهم أحياء قادرين، ومن خلق جميع ما في الأرض ثم تسوية السموات السبع لينتظم جميع ما يصلح به أمر معاشهم ومعادهم إلى غير ذلك من النعم الشاملة لجميع المكلفين. فعلى هذا الخطاب وإن كان خاصا ببني إسرائيل لكونهم مقصودين بالتبكيت من حيث إن هذه السورة أول سورة نزلت بالمدينة وقد آمن من أجلها من آمن ولم يبق إلا معاندو اليهود الذين نسوا نعمة الله تعالى عليهم وتركوا شكرها، إلا أن جميع الناس يشاركونهم في حكم هذا الخطاب وهو وجوب ذكر نعمته تعالى عليهم لما رزقوا من فنون النعم التي لا تحصى كثرة. ولما أريد بالنعمة النعمة العامة لكل البشر احتيج إلى بيان وجه تقييدها بهم حيث وصفها بقوله: التي أنعمت عليكم لحصول ما ذكر من الوجه إذ المقصود من تذكير النعم استمالة قلوبهم وحملهم على أداء شكر تلك النعم فيما أمر ونهى عنه. وهذا المقصود إنما يتم إذا لو حظت النعم باعتبار وصولها إلى المنعم عليه مع قطع النظر عن حصولها لغيره، فإن هذه الملاحظة بهذه الجهة توجب استمالة قلوبهم وتحملهم على أداء شكرها. قوله: (وقيل أراد بها ما أنعم الله تعالى به على آبائهم) وعليهم

Page 7