Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
مثبت في الكتب السابقة ممن لم يتعلمها ولم يمارس شيئا منها إخبار بالغيب معجز تدل على نبوة المخبر عنها، ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك تدل على أنه قادر على الإعادة كما كان قادرا على الإيذاء، خاطب أهل العلم والكتاب منهم وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم ويوفوا بعهوده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه فقال.
الخلق لينتفعوا بما فيه من إصلاح دينهم ودنياهم. وتقرر دليل المعاد أيضا من حيث إن تلك النعم مشتملة على خلق الإنسان وأصوله فإنهم كانوا في الأصل أجساما لا حياة لها عناصر وأغذية وأخلاطا نطفا ومضغا مخلقة وغير مخلقة أي تامة الخلق وغير تامة الخلق، ثم أحياهم الله تعالى بخلق الأرواح ونفخها فيهم وعلى خلق ما هو أعظم من ذلك وهو خلق ما في الأرض، ولا شك أن من قدر على خلق هذه الأمور ابتداء قادر على خلقها إعادة. قوله:
(إخبار بالغيب) خبر لقوله: «إن الإخبار» وقوله: «معجز» خبر بعد خبر وقوله: «على نبوة المخبر» بكسر الباء وقوله: «خاطب» جواب «لما». يعني أنه تعالى خاطب أهل العلم وأهل الكتاب من أهل العلم والظاهر أن ضمير «منهم» لبني إسرائيل على أن تكون كلمة «من» للتبيين لتعذر حملها على التبعيض، وأن المعنى خاطب من كان جامعا لفضيلتي العلم والإيمان بالتوراة من بني إسرائيل. والحاصل أن الخطاب في قوله: يا بني إسرائيل لعلماء اليهود بقرينة قوله: ولا تكونوا أول كافر به [البقرة: 41] أي لا تكونوا أئمة في الكفر يقتدي بكم أتباعكم فتكونوا حاملين لأوزاركم وأوزارهم، كما قال تعالى: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون [النحل: 25] وفي الحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها». والجهال لا يقتدى بهم فلا يكونوا أول الكفار: فمعنى قول المصنف: «خاطب أهل العلم» أنه خاطبهم وأمرهم أن يذكروا نعم الله عليهم استمالة لقلوبهم وتحريضا على أداء شكرها وتوبيخا على إعراضهم عنه وأمرهم بعد تذكير النعم أن يوفوا بعهوده ليكونوا أئمة في الإيمان به عليه السلام وبما أنزل عليه. والفاء في قوله: «فقال» لتفصيل المجمل فتكون للترتيب في الذكر، فإن حق التفصيل أن يذكر بعد الإجمال. والنعم المخصوصة ببني إسرائيل كثيرة منها أنه تعالى استنقذهم من فرعون وقومه وخلصهم من العبودية ومن القتل ومكنهم في الأرض فجعلهم ملوكا وجعلهم الوارثين بعد أن كانوا عبيدا للقبط، وأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأنزل عليهم الكتب العظيمة وجعل فيهم أنبياء، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وأعطاهم حجرا يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا وإن استغنوا عن الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم، وأعطاهم عمودا من النور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر،
Page 5