564

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
•
Empires & Eras
Ottomans

[الأعراف: 20] وقاسمهما [الأعراف: 21] الآيتين لأنه ليس فيهما ما يدل على أن تناوله حين ما قاله إبليس فلعل مقاله أورث فيه ميلا طبيعيا. ثم إنه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله تعالى إلى أن نسي ذلك وزال المانع فحمله الطبع عليه. والرابع أنه عليه السلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه فإنه ظن أن النهي للتنزيه أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها وكان المراد بها الإشارة إلى النوع، كما روي أنه عليه فعلم بهذه القرائن أنهما لم يقبلا منه ولم يصدقاه لكن لما مر زمان مديد بعد قول اللعين نسي آدم النهي وكان عليه السلام لما سمع مقالة اللعين في حق تلك الشجرة مال طبعه إلى التناول لعلمه بفضائل الملائكة من حيث إنهم لا يحتاجون في بقاء صحتهم وقوتهم إلى الأكل والشرب المؤديين إلى دفع الفضلات من البصاق والمخاط ونحوهما، وأنه لا يعرض لهم النوم والضعف والهرم والأمراض والأوجاع والكسل والفتور عن عبادة ربهم ولذيذ مناجاته وغير ذلك من الفضائل، وإن كان هو أفضل منهم من حيث كثرة الثواب ولذا مال إلى الجنة لكونها دار أمن وراحة بخلاف الأرض.

قوله: (والرابع إنه عليه السلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه ) أجاب رابعا عن الوجه الأول بأن سلمنا إنه فعله حال نبوته وأن النهي للتحريم وأنه فعله جازما وعامدا لمباشرة المنهي عنه لكن لا نسلم أنه فعله حال نبوته على أن النهي للتحريم بل فعله على أنه جائز بناء على اجتهاده وظنه أن النهي للتنزيه. فإن قيل: كيف يصح منه عليه السلام أنه يظن ذلك وقد قرن بالنهي قوله: فتكونا من الظالمين [البقرة: 35] ومثل هذا الوعيد لا يقترن إلا بالنهي الذي يكون للتحريم؟ قلنا: يجوز منه أن يظن كونه للتنزيه بناء على أنه ظن أن معنى كونهما من الظالمين أن يظلما أنفسهما بأن يبخسهما حظهما بترك الأولى. قوله: (أو الإشارة) بالنصب على أنه معطوف على قوله: «النهي». يعني أو ظن أن الإشارة في قوله تعالى: ولا تقربا هذه الشجرة [البقرة: 35] شخصية معينة وأن المحرم إنما هو التناول من تلك المعينة فتركها وتناول من شجرة أخرى من نوعها فكان مخطئا في ذلك الاجتهاد، لأن مراد الله تعالى النهي عن النوع لا الشخص والخطأ في الاجتهاد لا يقتضي كون الذنب كبيرة. فإن كلمة «هذه» قد يشار بها تارة إلى الشخص وهو شائع كثير وقد يشار بها إلى النوع كما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها». فإنه عليه الصلاة والسلام وإن أشار إلى ما في يديه من الشخصين لم يردهما بعينهما بل أراد نوعهما. وروي أيضا أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» وأراد نوعه. فلذلك ظن آدم عليه الصلاة والسلام أن المراد بهذه الشجرة شخصها لكون أغلب استعمالها في الإشارة إلى الشخص دون

Page 570