Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم، فضلا عن أن يحل بهم مكروه ، ولا هم ممن يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع نفى عنهم الرعب المترقب مضرته وإنما يراد به فعل الخيرات المأمور بها المذكور في قوله: يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: 50] والكف عن المعاصي ونهي النفس عن الهوى المذكور في قوله: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [النازعات:
40 - 41] والخوف والحزن المنفيان عنهم استشعار الغم الذي يكون من ذوي العدوان ولذلك يروى عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: لا يرجون إلا أمر ربه ولا يخافن إلا من ذنبه. فإن الخوف توقع مكروه عن أمارة وذلك للمذنب فإنه يتوقع المكروه لعلمه بذنبه.
والفاضل خسرو رحمه الله لم يتعرض لواحد من هذه الوجوه، وأول الآية على وجه يفهم من تقريره أن مقصوده من ذلك التأويل دفع ما أورده الراغب بقوله: «إن قيل» الخ وذلك التأويل قوله: فلا خوف عليهم [البقرة: 38] أي ليس من شأنهم أن يخاف عليهم من لحوق مكروه فضلا عن أن يحل بهم ويقع عليهم ذلك المكروه يعني العقاب. لأن خوف لحوق العقاب على شخص لا يكون إلا باستحقاقه العقاب وهو لا يكون إلا بمباشرة المنهي عنه، والمفروض أنه قد اتبع الهدى بحقه علما وعملا بالإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم وداوم عليه إلى أن مات، كما قال الإمام أبو منصور: فمن تبع هداي أي تبعه ودام عليه حتى مات ومن هذا شأنه كيف يخاف عليه أن يلحقه عقاب؟ وبهذا لا يتأتى أن يخافوا في أنفسهم من أن يزول عنهم حالهم بأن يباشروا المنهي عنه لما تقرر أن الولي يجوز أن يسقط عن مرتبة الولاية دون النبي، ولهذا قال تعالى: فلا خوف عليهم ولم يقل «فلا يخافون» فتدبر. هذا كلامه بعبارته مع توضيح من قبلنا. قوله: (ولا هم ممن يفوت) أي ولا هم بحيث يفوت عنهم ما يحبونه من الطاعات والعبادات الواجبة والمندوبة كما هو مقتضى اتباع الهدى بحقه علما وعملا فيحزنوا على فوته. قوله: (فالخوف على المتوقع) فيما يستقبل من الزمان من المكروه لوجود إمارته المفضية إليه كمباشرة الذنب ههنا، والحزن إنما يكون على ما حصل في الحال من فوت المحبوب كترك الواجب والمندوب وهو تفريع على التفسير السابق. أي إذا تقرر ما ذكرنا ظهر أن كل واحد من الخوف والحزن على ما ذا يكون منه قبل حلوله لما مر أن لحقوق العقاب إنما يكون بمباشرة الذنب التي أمارته مفضية ومباشر الذنب لا بد أن يخاف من حلول ما يؤدي هو إليه فالخوف من حلوله لازم لذلك الحلول. وقد نفى الله تعالى هذا اللازم ونفي اللازم أوضح بينة وأدل شاهدا على نفي الملزوم، فلما نفى عنهم اللازم وهو الخوف ثبت انتفاء الملزوم عنهم وهو العقاب وإثبات انتفاء الملزوم بهذا الوجه آكد وأبلغ في إثبات الثواب لهم من دعوى ثبوته صريحا بناء على نفي الحزن عنهم عبارة عن
Page 562