Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) والتسبيح تبعيد الله تعالى عن السوء والنقصان وكذلك التقديس من سبح في الأرض والماء. وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ويقال: قدس إذا طهر لأن مطهر الشيء مبعد له عن الأقذار. وبحمدك في موضع الحال أي ملتبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووفقتنا لتسبيحك تداركوا به ما أوهم قوله: (والتسبيح تبعيد الله تعالى عن السوء والنقصان) بأن يعتقد أنه سبحانه وتعالى منزه في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل سوء ونقصان ويتكلم بما يدل عليه. روي عن الحسن البصري رضي الله عنه أنه قال: معنى قولهم: ونحن نسبح بحمدك نقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه دخل بالغداة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالعشي فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أي الكلام أحب إلى الله تعالى؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ما اصطفاه الله لملائكته سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم».
وروي أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله ما صلاة الملائكة فلم يرد عليه الصلاة والسلام عليه شيئا فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال له: يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال: «نعم» قال: اقرئه مني السلام وقل له وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت. فهذا هو تسبيح الملائكة عليهم السلام. والتقديس التطهير، والقدس الطهارة ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة، كذا في التفسير الكبير.
والمصنف رحمه الله جعل التسبيح والتقديس مترادفين بمعنى نبعدك عما لا يليق بعظمتك وجلالك، ويكون الجمع بينهما في الآية للتأكيد والمبالغة في تنزيهه سبحانه وتعالى، وجعل التسبيح تفعيلا من سبح المخفف والتقديس من قدس المخفف أيضا بقوله: «ذهب» و «أبعد» أي صار بعيدا فإذا نقلا إلى باب التفعيل صارا بمعنى «اذهب» و «ابعد» ثم علل استعمال التقديس في معنى التطهير المبني على كونه بمعنى التبعيد بقوله: «لأن مطهر الشيء مبعد له عن الأقذار». قوله: (وبحمدك في موضع الحال) أي من المنوي في «نسبح» فهما حالان متداخلان أي حال في حال، والباء فيه للمصاحبة فتتعلق بمحذوف كما في نحو: جاءني زيد بثياب السفر أي ملتبسا بها. وكلمة «ما» في قوله: «على ما ألهمتنا» مصدرية أي نحمدك على إلهامك إيانا معرفتك وعلى توفيقك إيانا لتسبيحك. وذكر المحمود عليه إشارة إلى أنه محذوف في نظم الآية لدلالة القرينة عليه، وبين فائدة التقييد بهذه الحال بأنها لتدارك ما أوهمه إسناد التسبيح إلى أنفسهم من العجب والافتخار حيث دفعوا به استقلالهم في التمكن من العبادة وقالوا: لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك.
Page 503