Hashiya Cala Tafsir Baydawi
حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي
[الأنبياء: 26، 27]. وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى، أو تلق من اللوح، أو استنباط المرء بنفسه وقال تعالى: فلا تزكوا أنفسكم [النجم: 32] رفع المصنف شبهتهم من كون مقصودهم من السؤال الإنكار والاعتراض على الله تعالى ووجهه بثلاثة أوجه: التعجب، والاستكشاف، والاستخبار. والله أعلم.
قوله: (وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى) جواب عن شبهة أخرى للحشوية في زعمهم أن الملائكة غير معصومين من الذنب، وهو أن قول الملائكة بأن بني آدم يفسدون ويسفكون الدماء قول مستند إلى ظن وتخمين من غير علمهم ويقينهم. وظاهر أن تعييب الغير والطعن فيه لمجرد الظن ذنب ومعصية لقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم [الإسراء: 36] وقال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36] وإنما قالوا إنه قول مستند إلى الظن بناء على أن إفساد بني آدم وسفكهم الدماء غيب لا يعلمه إلا الله تعالى. وذلك أن مطلق الغيب كما مر عبارة عن الخفي الذي لا يدركه الحس ولا تقتضيه بديهة العقل وهو قسمان: قسم نصب عليه دليل وهذا القسم يعلمه أهل النظر والاستدلال، وقسم لا دليل عليه ومنه ما أسنده الملائكة إلى بني آدم من السفك والإفساد فلا يعلمه إلا علام الغيوب. فمن أسند ذلك إليهم وطعنهم به فقد اتبع ظنه وهواه. وتقرير الجواب أنا لا نسلم أن ما أسندوه إليهم من قبيل الغيب الذي لا دليل عليه بل هو من قبيل ما نصب عليه دليل لأن الملائكة لا يعلمون الغيب ولا يتبعون الظن فتعين أن يكون قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها الآية مستندا إلى دليل قائم عندهم دال على صدور ذلك من بني آدم، وذلك الدليل إما إخبار الله تعالى إياهم بذلك كما روي عن ابن مسعود وغيره من الصحابة أنه تعالى لما قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة قالوا: ربنا ما يكون من ذلك الخليفة قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، فعند ذلك قالوا:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء إلى آخره. وروي عن ابن زيد أنه سبحانه وتعالى لما خلق النار خافت الملائكة خوفا شديدا وقالوا: ربنا لم خلقت هذه النار؟ قال:
لمن عصاني من خلقي ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خليفة ألبتة. وقد علموا أن شأنهم العصمة من اقتراف الذنوب لخلوهم عن القوة الداعية إليه من قوتي الشهوة والغضب، فإنهما داعيتان إلى صدور الأفعال البهيمية التي هي الإفساد في الأرض والخصائل السبعية من سفك الدماء ونحوه، وأنهم ليس لهم من القوى إلا قوة عقلية داعية إلى المعرفة والطاعة. فلما سمعوا قوله تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة علموا أن المعصية تظهر منهم فقالوا ذلك أو عرفوا ذلك لاطلاعهم على ما في اللوح من أحوال بني آدم. فإن القلم الأعلى لما كتب في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح
Page 498