491

Hashiya Cala Tafsir Baydawi

حاشية محيي الدين زاده على تفسير القاضي البيضاوي

Régions
Turquie
•
Empires & Eras
Ottomans

قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء تعجب أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها، واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم، كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون قوله : (تعجب من أن يستحلف لعمارة الأرض إلى آخره) مبني على أن يكون المراد بخلافة آدم وحده أو مع ذريته الخلافة عن الله تعالى في عمارة الأرض بالعدل والصلاح وفي سياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أموره فيهم. قوله: (أو يستحلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية) مبني على أن يكون المراد بها الخلافة عمن سكن الأرض قبله في سكنى الأرض.

والاستفهام قد يراد به التعجب كما في قول سليمان: ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين [النمل: 20] وقد يكون للإنكار والاعتراض. ولما كان الاعتراض على الله تعالى وإنكار فعله كفرا ممتنعا في حق الملائكة حمل الاستفهام على التعجب من كمال علم الله سبحانه وتعالى وإحاطة حكمته بما خفي على العقلاء كلهم فكأنهم قالوا: إنا نعلم أنك لا تنعم بهذه النعمة العظيمة من يفسد ويقتل إلا لوجه دقيق وسر خفي أنت مطلع عليه فما أعظم حكمتك وأكمل علمك. قوله: (بهرت تلك المفاسد) أي غلبتها وقوله «والغتها» بمنزلة العطف التفسيري له، فإن الحكمة المخفية التي لأجلها استحلف من يفسد فيها لا بد أن تكون غالبة على تلك المفاسد بحيث تكون تلك المفاسد في جنب تلك الحكمة كالعدم ولما لم يطلعوا عليها قالوا: أتجعل فيها الآية طلبا للكشف عن تلك الحكمة، أو قالوا استخبارا أي استعلاما وطلبا للجواب الذي يرشدهم إلى طريق العرفان ويوصلهم إلى الإيقان ويزيل ما اختلج في صدورهم من شبهة عدم لياقة المستخلف للاستحلاف بناء على ظاهر حاله، ومع تلك الشبهة لا يحصل الإذعان والقبول. ولا محذور في إيراد الإشكال طلبا للجواب وزوال الدغدغة والاضطراب. قوله: (وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة) لما ذهب بعض الحشوية إلى أن الملائكة عليهم السلام ليسوا بمعصومين من جميع الذنوب وتمسكوا فيما ذهبوا إليه بقوله تعالى حكاية عنهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فإنه يقتضي صدور الذنب عنهم من حيث إن قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها اعتراض على الله تعالى وهو من أعظم الذنوب. ومن حيث إنهم طعنوا في بني آدم ومدحوا أنفسهم بقوله: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك وهو يشبه العجب وهو من الذنوب المهلكة التي عدوا منها إعجاب

Page 497