308

La Conquête du Puissant

فتح القدير

Maison d'édition

دار ابن كثير،دار الكلم الطيب - دمشق

Édition

الأولى

Année de publication

١٤١٤ هـ

Lieu d'édition

بيروت

أَوْ غَيْرِهَا، وَالتَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ لَهُ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مِنَ الدَّفْعِ فِي صُدُورِ عُبَّادِ الْقُبُورِ، وَالصَّدِّ فِي وُجُوهِهِمْ، وَالْفَتِّ فِي أَعَضَادِهِمْ، مَا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ، وَلَا يُبْلَغُ مَدَاهُ، وَالَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَوْقَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى «١» وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لَا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى «٢» وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ «٣» بِدَرَجَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَقَدْ بَيَّنَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ فِي دَوَاوِينِ الْإِسْلَامِ صِفَةَ الشَّفَاعَةِ، وَلِمَنْ هِيَ؟ وَمَنْ يَقُومُ بِهَا؟.
قَوْلُهُ: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ الضميران لما في السموات وَالْأَرْضِ بِتَغْلِيبِ الْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ: عِبَارَةٌ عَنِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِمْ وَالْمُتَأَخِّرِ عَنْهُمْ، أَوْ عَنِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا فِيهِمَا. قَوْلُهُ:
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِحَاطَةِ، وَالْعِلْمُ هُنَا: بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ، أَيْ: لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومَاتِهِ. قَوْلُهُ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ الْكُرْسِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْجِسْمُ الَّذِي وَرَدَتِ الْآثَارُ بِصِفَتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. وَقَدْ نَفَى وُجُودَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ خَطَأً بَيِّنًا، وَغَلِطُوا غَلَطًا فَاحِشًا.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ الْكُرْسِيَّ هُنَا: عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ. قَالُوا: وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعُلَمَاءِ: الْكَرَاسِيُّ، وَمِنْهُ: الْكُرَّاسَةُ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، ومنه قول الشاعر:
يحفّ بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسيّ بالأحداث حِينَ تَنُوبُ
وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَقِيلَ: كُرْسِيُّهُ: قُدْرَتُهُ الَّتِي يُمْسِكُ بِهَا السموات وَالْأَرْضَ، كَمَا يُقَالُ: اجْعَلْ لِهَذَا الْحَائِطِ كُرْسِيًّا، أَيْ: مَا يَعْمِدُهُ وَقِيلَ: إِنَّ الْكُرْسِيَّ هُوَ الْعَرْشُ، وَقِيلَ: هُوَ تَصْوِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُلْكِ. وَالْحَقُّ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ إِلَّا مُجَرَّدُ خَيَالَاتٍ تَسَبَّبَتْ عَنْ جَهَالَاتٍ وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات وَالْأَرْضَ أَنَّهَا صَارَتْ فِيهِ، وَأَنَّهُ وَسِعَهَا، وَلَمْ يَضِقْ عَنْهَا لِكَوْنِهِ بَسِيطًا وَاسِعًا. وَقَوْلُهُ: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما معناه: لا يثقله، يقال:
أَدْنَى الشَّيْءِ، بِمَعْنَى: أَثْقَلَنِي وَتَحَمَّلْتُ مِنْهُ مَشَقَّةً. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قوله: يَؤُدُهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْكُرْسِيِّ لِأَنَّهُ من أمر الله والْعَلِيُّ يُرَادُ بِهِ: عُلُوُّ الْقُدْرَةِ وَالْمَنْزِلَةِ. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ الْعَلِيُّ عَنْ خَلْقِهِ بِارْتِفَاعِ مَكَانِهِ عَنْ أَمَاكِنِ خَلْقِهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذِهِ أَقْوَالُ جَهَلَةٍ مُجَسِّمِينَ، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا تُحْكَى. انْتَهَى. وَالْخِلَافُ فِي إِثْبَاتِ الْجِهَةِ مَعْرُوفٌ فِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَالنِّزَاعُ فِيهِ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ، وَالْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعْرُوفَةٌ، وَلَكِنَّ النَّاشِئَ عَلَى مَذْهَبٍ يَرَى غَيْرَهُ خَارِجًا عَنِ الشَّرْعِ وَلَا يَنْظُرُ فِي أَدِلَّتِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ هُمَا الْمِعْيَارُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَيَتَبَيَّنُ بِهِ الصَّحِيحُ مِنَ الْفَاسِدِ: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ «٤» وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى الظَّاهِرِ الْغَالِبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ «٥» وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَمَّا عَلَوْنَا وَاسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمُ ... تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِرِ
وَالْعَظِيمُ: بِمَعْنَى: عَظُمَ شَأْنُهُ وَخَطَرُهُ. قَالَ فِي الْكَشَّافِ: إِنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى: بيان لقيامه بتدبير الخلق

(١) . الأنبياء: ٢٨.
(٢) . النجم: ٢٦.
(٣) . النبأ: ٢٨.
(٤) . المؤمنون: ٧١.
(٥) . القصص: ٤.

1 / 312