481

Encyclopédie des Groupes Attribués à l'Islam - Al-Dorar Al-Sunniya

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام - الدرر السنية

Maison d'édition

موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net

قول الخليل مخاطبًا قومه: قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]: فاستثنى رب العالمين الذي كانوا يعبدونه، ويقرون بربوبيته، ولكن يشركون معه في العبادة غيره ..
وكذا قول الخليل ﵇، ومن معه من المؤمنين يخاطبون قومهم: إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤].
فمحل النزاع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان كان في إفراد الله تعالى بالعبادة وحده، وهذا ما كان يفتقر إليه مشركوا قوم إبراهيم ﵇ ..
فلم يكن الخليل ﵇ جاهلًا بخالق السموات والأرض، ولم يكن قومه جاحدين له؛ حتى يقال إنه استدل على الصانع، أو نحو ذلك.
وسبب لجوء الخليل ﵇ على هذه المناظرة لإقامة الحجة على قومه، وإلزامهم بعبادة الله وحده: هو هذه الجذور المتأصلة عندهم، والعقيدة المتوارثة خلفًا عن سلف في عبادة الكواكب والنجوم ..
فقد وجد الخليل ﵇ أن انتزاع هذه العقيدة من الصعوبة بمكان؛ لذلك رأى أن الحجة لابد أن تكون قوية وحكيمة حتى تكون أدعى للقبول ..
ولا شك أن الاستدلال الذي يجمع بين القول والحس أقوى من الاستدلال القولي المجرد عن الحس .. لذلك كان انتظار أفول هذه الأجرام، والاستدلال بذلك على عدم صلاحيتها للألوهية أدعى لإجابة قوم إبراهيم ﵇ من مجرد القول (١).
فالذي يأفل، ولا يملك أن يمنع نفسه من الاحتجاب والمغيب عن أعين عابديه، لا يصلح للعبادة.
فإذا كان لا يملك أن يمنع نفسه عن المغيب، فكيف يملك لعابده نفعًا أو ضرًا؟! ..
فقول الخليل ﵇ عن الكوكب، أو الشمس، أو القمر: هَذَا رَبِّي: من نوع الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أهذا الذي تزعمون أنه ربي؟، أو أهذا الذي تعتقدونه ربًا لي؟ وهذا أسلوب معروف في لغة العرب؛ من ذلك قول الله ﵎: أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤]: أي أفهم الخالدون (٢).ولو كان على إبراهيم ﵇ بقوله: هَذَا رَبِّي: أي هذا رب العالمين؛ لكانت قصة إبراهيم ﵇ حجة عليهم؛ لأنه حينئذ لم تكن الحركة عنده مانعة من كونه رب العالمين، وإنما المانع هو الأفول" (٣).
فعلم مما تقدم فساد استدلال المبتدعة بقصة الخليل ﵇ على تصحيح دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وإبعادهم النجعة في فهمهم لقوله ﵊: هَذَا رَبِّي ..
فليس المراد به أن هذا رب العالمين، أو أنه خالق السموات والأرضين.
المصدر:الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ٢/ ٤٤٠

(١) انظر: «روح المعاني» للألوسي (٧/ ١٩٩).
(٢) انظر: «جامع البيان» للطبري (٧/ ٢٥٠). و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٧/ ٢٦). وانظر أيضًا: «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (١/ ١١٠، ١١١، ٣١١).
(٣) «منهاج السنة النبوية» لابن تيمية (٢/ ١٩٦). وانظر. «درء تعارض العقل والنقل» له (٢/ ٢١٦).

1 / 480