وجاء في شرح ( القدوري ) أن الإمام أبو يوسف رحمه الله في هذا المعنى قد أخذ الأمر بشدة وقال ، لا يصل أحد إلى إعطاء الفتوى إذا لم يكن من أهل العقل والرأي وإذا لا يعرف أحكام الكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ وأقوال الصحابة وسيرهم ووجوه الكلام ، ويظهر من هذه الأقوال جواز الإفتاء مع الاجتهاد والتقليد مع أولوية الأول .
أما الآداب والمستحبات في ذلك هي أنه إذا لم يكن المفتي من أهل الاجتهاد فليجب على الفروع فذلك أسلم وأحوط ، وكذلك أن لا يتجرأ على الافتاء استنادا إلى علمه ويقول لقد أجازني علمي ، لكن عليه أن يلازم المفتين ويأخذ الإجازة عليهم حتى يصبح على بصيرة من أمره ، قالوا وإن حفظ جميع كتب أصحابنا فلا بد أن يتلمذ للفتوى حتى يهتدى إليه . وكذلك لا تقدم على الجواب قبل القراءة والمطالعة الجديدة والتأمل الطويل واجتنب المبادرة والتعجيل في إعطاء الجواب ، حتى إذا وقع الخطأ عذرت ومسألة التحري في هذا المقام هي الدليل التام ، ويروى عن الإمام الأعظم رحمة الله عليه أنه لم يجب على كثير من المسائل التي سئل عنها . ولا يجب الالتفات إلى إلحاح المستفتي ، ويروى عن أبو نصر رحمة الله عليه أنه كان يقول للذي يستفتيه ويلح عليه بالجواب ويقول له أرد جواب فقد أتيت من طريق بعيد : |
فلا نحن ناديناك من حيث جئتنا
ولا نحن عمينا عنك الذهبا
وكذلك أن تصبح ملولا من كثرة السؤال والجواب وأن لا تعطي جوابا وأنت مشتت الذهن ، فإذا أجبت فلا تدعي الجواب لنفسك وتقول أنا أقول إن الحكم كذا وأنا أفتي بكذا وغير ذلك بل قل بالرواية عن العلماء هكذا وفي الكتاب الفلاني هكذا .
وكذلك إذا سئل عن العبادات صحتها وفسادها ووجه فسادها وصحتها ، فاختر وجه الفساد ، وإذا كان السؤال في المعاملات فاختر وجه الصحة ، وكذلك جاء في ( المحيط ) وفي ( الذخيرة ) أنه في هذا النوع من المسائل في المعتقدات عليه أن يختار الإيمان ومهما أمكن ألا يحكم بالكفر . وأيضا أن لا يأخذ أجرا على الإفتاء نفسه لأنه ( طاعة ) وهذه المسألة قد فصلناها في باب ( الأجر ) ، وعلى كل حال فإن عدم أخذ الأجر في العبادات أولى وأحرى لقوله تعالى : ^ ( قل لا أسألكم عليه أجرا ) ^ ، وأيضا إذا سأله أحدهم عن جواب مسألة فليقل إنه على قول الإمام الأعظم جوابها هكذا .
Page 101