414

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

Maison d'édition

مؤسسة الرسالة

Édition

الطبعة الثالثة

Année de publication

١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م

عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" أخرجاه.
ــ
فقوله في هذه الأشياء إذا كانت ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﴿أَحَبَّ﴾ يدل على أن محبة هذه الأشياء في الأصل لا حرج فيها، فالإنسان يحب والده، ويحب ولده، ويحب أخاه، ويحب قبيلته، ويحب ماله، ويحب تجارته، ويحب مسكنه. فأصل المحبة لهذه الأشياء مباح لأنه من المحبة الطبيعية، لكن إنما يأتي اللوم إذا قدّم محبة هذه الأشياء على محبة الله فأخّرته هذه الأشياء عن طاعة الله ورسوله، وعن الهجرة إلى الله ورسوله.
قوله: "وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى كون أحبَّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين" " وذلك أنه بعد محبة الله تأتي محبة الرسول ﷺ، فالأولى: محبة الله ﷿، وهي محبة عبادة، وهي الأصل والقاعدة. أما محبة الرسول ﷺ فهي تابعةٌ لمحبة الله ﷿، تأتي بعد محبة الله وكذا محبة كل ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال وهذه محبة في الله ولله فالمحبة المشروعة محبة الله والمحبة في الله، والمحبة الممنوعة هي المحبة مع الله. وتقديم ما تحبه النفس على ما يحبه الله.
وقوله: "لا يؤمن أحدكم" ليس نفيًا لأصل الإيمان، وإنما هو نفيٌ لكمال الإيمان، أي: لا يكمُل إيمان أحدكم هذا إذا كان يحب الرسول ﷺ ولكن لا يقدم محبته على محبة غيره من الخلق.
أما إذا كان الإنسان لا يحب الرسول ﷺ أصلًا، بل يبِغض الرسول، فهذا كافر، أما الذي يحب الرسول ﷺ، ولكنه يقدِّم محبة ولده ووالده على محبة الرسول ﷺ، فهذا ناقصُ الإيمان، بل لا يكمُل إيمان العبد ولا يتم حتى يكون الرسول ﷺ أحبَّ إليه من نفسه التي بين جنبيه، وأحب إليه من ولده الذي هو بضْعَةٌ منه وجزءٌ منه، وأحب إليه من والده الذي هو أصله والمحسِن إليه، وأحب إليه من النّاس أجمعين أيًّا كانوا.
وهذا يقتضي أن الإنسان يقدِّم طاعة الرسول ﷺ على طاعة غيره: فإذا أمرك الرسول ﷺ بأمر وأمرك والدك أو ولدك أو أحد من النّاس بأمر يخالف أمر

2 / 41