Al-Wajiz fi Fiqh al-Imam al-Shafi'i
الوجيز في فقه الإمام الشافعي
Enquêteur
علي معوض وعادل عبد الموجود
Maison d'édition
شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم
Édition
الأولى
Année de publication
1418 AH
Lieu d'édition
بيروت
(كتاب القسم و النشوز(١) ، و فية فصول :)
(الأَوَّلَ: فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ) ؛ وَلاَ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِتَحْصِينِهَا، وَلاَ يَجِبُ القَسْمُ بَيْنَ المُسْتَولَدَاتِ، وَبَيْنَ الإِمَاءِ، وَلاَ بَيْنَهُنَّ، وَبَيْنَ المَنْكُوحَاتِ، لَكِنَّ الأَوْلَى العَدْلُ وَكَفُّ الإِيذَاءِ، وَمَنْ لَهُ مَنْكُوحَاتٌ، فَإِنْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ، جَازَ، وَإِنْ
(١) القَسْمُ بفتح القاف مع سكون السين بمعنى العَدْل بين الزوجات في المبيت، وهو المراد هنا، ومع فتح السين اليمين (وبكسر القاف) وبكسر القاف مع سكون السين بمعنى الحظ والنصيب، ومع فتح السين جمع قِسْمَة، وقد تطلق على النصب أيضاً.
والنشوز من نَشَزَ إذا ارتفع، لأن فيه ارتفاعاً عن أداء الحق الواجب، فالزوجة إذا امتنعت عن أداء ما وجب عليها تسمَّى ناشزة، والقسم واجب بالكتاب والسُّنة وإجماع الأئمة: قال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ لما نهى جل شأنه عن الجمع بين اثنتين، أو أكثر عند خوف عدم العدل فيما إذا اجتمعتا أو اجتمعن، علم أن العدل واجب. وقال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ومن عشرتها بالمعروف تأدية حقها، والعدل بينها وبين غيرها في المبيت، وقال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ أي أن للزوجات حَقًّا على أزواجهن، كما أن للأزواج حقّاً عليهن، وليس المراد تماثلهما، وتجانسهما، وإنما أراد وجوبهما، ولزومهما. وقال تعالى: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم﴾ ففي هذه الآية إشارة إلى ما أوجبه لها من نفقة وكسوة وقسْم وقال صلى الله عليه وسلم: ((من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقَيه ساقطاً أو مائلاً)) رواه الخمسة.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض طيف به على نسائه محمولاً، فلما ثقل أشفقن عليه، فحللته من القَسْم ليقسم عند عائشة رضي الله عنها لميله إليها، فتوفي عندها - صلى الله عليه وسلم - فلذلك قالت عائشة رضي الله عنها: توفّی رسول الله صلى الله عليه وسلم بین كري ونحري، وفي يومي ولم أظلم فيه أحداً.
حكمة وجوب القَسْمِ:
لما أباح الله - سبحانه وتعالى - للزوج التعدُّد إلى أربع تلمس المضللون من ذلك طريقاً للطعن على الدين الإسلامي، زاعمين بحسب أهوائهم الفاسدة، وما سوّلت لهم نفوسهم الخبيثة أن في هذا ضياعاً لحقّ المرأة، ولحوق الضرر بها، وسوء العشرة معها، ودين هذا شأنه ليس بالدين المستقيم، بل هو دين الظلم والاستعباد، ولبئس ما قالوا، فقد افتروا على الدين الإسلامي بجهالتهم، وضلالتهم، وقلة تدبرهم، وما نشأ هذا والعياذ بالله إلا من عمى بصيرتهم ((فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)) إذ لو تأملوا ولو قليلاً، لوجدوا الدين الإسلامي هو دين الشفقة والرحمة والعطف والرأفة، فما أباح التعدد إلا لمصلحة قويمة يعرفها ذوو الذّوق السليم، ولم يترك للظلم أثراً من هذا السبيل، بل أبان الطريق الذي يسلكه زوج الزوجات حتى لم يبقى للجور مجال.
فالشَّارع الحكيم لم يبح تعدُّد الزوجات مطلقاً بل قَرنَه بما يرفع الجور والظلم قال تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ فإنك تفهم من معنى الآية أن الله - سبحانه وتعالى - حرم الزيادة على واحدة إذا خيف عدم العدل لو جمع بين اثنتين، أو أكثر، ومنه يعلم أن العدل واجب.
41