اختلاف بين الناس، فلا يجوز نقض ما صحَّ بالاتفاق بقول مختلف في صحته؛ ولأنه ليس مع الثاني دليل قطعي بل اجتهادي، وصحة قضاء القاضي الأول ثبت بدليل قطعي وهو إجماعهم على جواز القضاء بأيّ وجه اتضح له؛ فلا يجوز نقض ما مضى بدليل قاطع بما فيه شبهة؛ ولأن الضرورة توجب القضاء بلزوم القضاء المبني على الاجتهاد وأن لا يجوز نقضه(١).
٤ - ((اتفق العلماء على أنه لا ينقض حكم الحاكم في المسائل المجتهد فيها وإن قلنا المصيب واحد، لأنه غير متعين، ولو حكم القاضي باجتهاده ثم تغير باجتهاد آخر لا ينقض الأول وإن كان الثاني أقوى منه، غير أنه إذا تجدَّد له لا يعمل إلّا بالثاني))(٢).
وبناء على ما تقدم لو حكم مجتهد في قضية رُفعت إليه بموجب اجتهاده، ثم حكم مجتهد ثانٍ في تلك القضية نفسها إذا رفعت إليه، فلا يجوز له أن ينقض حكم من قبله إذا كان مخالفاً لرأيه(٣).
وذلك ما قصد إليه الإِمام القرافي في قوله: ((اعلم أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف، ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم، وتتغير فُتياه بعد الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء؛ فمن لا يرى وقف المشاع إذا حكمٍ حاكم بصحة وقفه، ثم رفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفَّذه وأمضاه، ولا يَحِلُّ له بعد ذلك أن يفتي ببطلانه))(٤).
وهذا ما قرره الإِمام محمد بن الحسن - رحمه الله - إذ يقول في كتابه السير الكبير: ((فإن أجاز الأمير البُشَراء والرُّسل من الغنيمة على وجه الاجتهاد، ثم رُفع
(١) الكاساني: بدائع الصنائع: ٤١٠٥/٩، ٤٠٨٥/٩.
(٢) المنثور في القواعد، (مطبوع): ٩٣/١.
(٣) انظر: تيسير التحرير: ٢٣٤/٤؛ ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام: ٣٠/١.
(٤) الفروق: ١٠٣/٢، الفرق السابع والسبعون بين قاعدة الخلاف يتقرر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يبطل الخلاف فيها ويتعين قول واحد بعد حكم الحاكم.