ومن هذا القبيل: إذا سافر شخص في رمضان، فرخص له بالفطر فيه فإذا أقام بعد ذلك لزمه الصوم، وذلك لأن علَّة الرخصة هي السفر، فعند وجود العلة رخص له الفطر، وعند انتفائها انتفت الرخصة.
***
٢ - ((التَّحري يقوم مقام الدليل الشرعي عند انعدام الأدلة))(١):
التحري لغةً: هو الطلب والابتغاء، يقال: فلان يتحرّى أي يتوخّى ويقصد وتحرّى فلان بالمكان؛ أي تمكَّث، وفي قوله تعالى: ﴿فَأُوْلِئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾(٢)، أي توخوا وعمدوا(٣).
أما الفقهاء فقد ذكروا عدَّة تعريفات للتحري، كلّها بألفاظ متقاربة تفضي إلى معنى واحد تقريباً؛ منها ما ذكره النَّسَفي - رحمه الله -: ((بأن التحري هو التمسك بطرف وناحية من الأمر عند اشتباه وجوهه والتباس جوانبه ... ))(٤)، وقال الإِمام السرخسي: ((التحري في الشريعة عبارة عن طلب الشيء بغالب الرأي عند تعذُّر الوقوف على حقيقته .... وهو دليل يتوصل به إلى طرف العلم، وإن كان لا يتوصل به إلى ما يوجب حقيقة العلم))(٥).
وأصل هذه القاعدة في الحديث النبوي حيث قال عليه الصلاة والسلام: ((وإذا شكَّ أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتین))(٦).
مما يتفرع عليها: ((المصلي إذا ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين
(١) الكاساني: بدائع الصنائع: ٣٧٢/١.
(٢) سورة الجن: الآية ١٤.
(٣) الجوهري: الصحاح: ٢٣١١/٦.
(٤) طَلِبَة الطلبة في اصطلاحات الفقهاء، كتاب التحري: ص ٩٠.
(٥) المبسوط، كتاب التحري: ١٨٥/١٠.
(٦) صحيح البخاري بحاشية السندي، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، آخر جزء من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ٨٢/١.