قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادّعى الوصية، وأقام البينة، أن فلانًا مات وأوصى إليه.
فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، أحلف أن شهودك شهدوا بحق.
قال: ليس عليَّ يمينٌ.
قال: ضلت مقاييسُك (^١) يا أبا حنيفة.
قال أبو حنيفة: بل ["ضلّت مقاييسُك أنت"] (^٢)، ما تقول في أعمى شجّ، فشهد له شاهدان أن فلانًا شجَّه، هل [على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟ فانقطع ابن شبرمة] (^٣) ".
وروى الخطيب أيضًا (^٤)، عن النضر بن محمد، قال: دخل قتادة "الكوفة"، ونزل في دار أبي بُردة، فخرج يومًا، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو، ما يسألني اليوم أحدٌ عن الحلال والحرام إلا أجبتُه. فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطَّاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا، فظنتْ امرأتُه أن زوجَها ماتَ، فتزوجتْ، ثم رجعَ زوجُها الأول، ما تقول في صداقها؟
وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن، وإن قال برأي نفسه ليخطئنَّ.
فقال قتادة: وَيلك، أوَقَعَتْ هذه المسئلةُ؟ قال: لا.
قال: فلم تسألُني عما لم يقعْ؟ فقال أبو حنيفة: إنا نستعدُ للبَلاء قبلَ نزوله، فإذا وقع عرفنا الدخولَ فيه والخروج منه.
(^١) في تاريخ بغداد "مقاليد".
(^٢) في تاريخ بغداد "ضلت مقاليد".
(^٣) ساقط من تاريخ بغداد.
(^٤) تاريخ بغداد ١٣: ٣٤٨، ٣٤٩.