تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
فيا أيها السالك اجتهد في صيدان الدنيا تنتصر على نفسك والهوى، ولا تأمن مكرها، ولا تعط حظهما إلا بالحق؛ لأنهما إذا شربهما الحظوظي عصا حفظهم؛ ولذلك جبلهما ابتلاء للعباد الذين هم مظاهر لطفه وقهره، وخلط في أرضه،
لنبلوهم أيهم أحسن عملا
[الكهف: 7].
اللهم اجعلنا مخلصين في طاعتك، مؤدين حق عبادتك بمحمد وآله وصحبه وسلم.
[108 - سورة الكوثر]
[108.1-3]
يا طالب كوثر المعرفة، اعلم أنك ما دمت في تيه القالب وبيداء النفس مترددا متحيرا لا تصل إلى الكوثر المعرفة؛ لأنه في روضة القلب ورياض الجنة محفور، فإذا طففت في السلوك، وجاوزت تيه القالب، وخرجت من براري النفس ودخلت في [دار] عروس القلب، وشممت نسيم رياض الوادي الأيمن، ووصلت إلى وادي القدس الذي هو منتهى أطوار القلب في علم الخفي يعطيك بالسبعية الكوثر الذي أعطاه للحبيب بالأصالة، كما قال في كتابه العزيز: { إنآ أعطيناك الكوثر } [الكوثر: 1]، ويسقيك من ذلك الحوض طهور شراب المعرفة في كأس المحبة على ساقي اللطف والكرم، كما قال تعالى:
وسقاهم ربهم شرابا طهورا
[الإنسان: 21].
فينبغي أن تصل بجميع قوى لطائفك لهذا المقام، كما قال لحبيبه: { فصل لربك وانحر } [الكوثر: 2]؛ أي: فانحر ذات النفس لقربانك إلى عالم الذات، كما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم: { وانحر } [الكوثر: 2] ولا تخف مما يلقي إليك الشيطان، ويقول لك: إن كنت تنحر ذات النفس تبقى ابترا، { إن شانئك هو الأبتر } [الكوثر: 3]؛ أي: عدوك أبتر عن الحظوظ، فالمتيقظ هو الذي لا يتكلم في المقام كله من المعارف نظرا إلى أن تبقى منه هذه المعرفة تذكرة؛ لأن الله تعالى يغضب عليه، وأمر بنحر ذات نفسه في هذا المقام لأجل هذا السر، فإن أدى السالك حق هذا المقام بإسبال الأستار على وجه الأسرار، يجري الله سبحانه على قلبه ولسانه أسرار ومعارف من غير شعوره بها على وجه لا ينقض الظاهر، ويبقى اسمه في العالم من أولاد قلبه وأثمار أشجار وجوده الباقي أبد الآباد آمنا عن الفناء والنفاذ.
صفحه نامشخص