تأویلات نجمیه
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ للفقرآء المهاجرين } [الحشر: 8] يعني: للحقوق التي كانت مستكنة في القوى القالبية والنفسية وقت التخمير، فإن انبعثت اللطيفة الخفية وهاجرت أوطان أبدانها، وخرجت من ديار هواها وأموال استعداداتها القالبية والنفسية والشهوية اتبعت بها فضل الله ورضوانه، ونصرة الله واللطيفة الخفية، وهي الصادقة كما يقول الله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } [الحشر: 8] { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم } [الحشر: 9] يعني: القوة الناصرة السرية المؤمنة للطيفة الخفية في مدينة السر توطنت القوة المهاجرة الحقوقية، وآمنت باللطيفة الخفية قبل دخولها في مدينة السر بنور الحق { يحبون من هاجر إليهم } [الحشر: 9] من القوى الحقوقية المستكنة في القالب وقت التخمير { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا } [الحشر: 9] يعني: القوى الناصرة السرية يحبون المهاجرين ويوطنونهم في مدينتهم من غير حرارة وتبطؤ ولا طلب مكافأة ولا مجازاة { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [الحشر: 9] يعني: يختارون الحقوق المهاجرة على أنفسهم بطعام الذكر السري وشرابه وثمرات المعارف الآثارية والفعلية، ولو كانوا محتاجين إليها مفترقين إلى طعام الذكر السري وشرابه { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [الحشر: 9] يعني: يتصدق ويؤثر على إخوانه وأصحابه من القوى الحقوقية، وهو محتاج إليها ويمنع له شيخ نفسه أن يتصدق، وهو على خلاف هوى نفسه يتصدق، فهو المفلح لتزكيته عن رذيلة صفة البخل والشح.
[59.10-12]
{ والذين جآءوا من بعدهم } [الحشر: 10] من القوى المؤمنة النفسية والقالبية، وإن لم يدركهم في المرتبة والمنزلة، ولكن { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنآ إنك رءوف رحيم } [الحشر: 10] هم أيضا يكونون من المفلحين لدعائهم لإخوانهم السابقين ومسألتهم من الله ألا يجعل في قلوبهم غلا وحسدا على ما آتاهم الله بفضله وسعة رحمته، فحظ العامة من الأمة المحمدية ألا يظنوا من أصحاب الرسول رضي الله عنهم، ويدعوا لهم بالخير؛ فيرفعوا قدرهم على أنفسهم ولا يفتروا بكثرة مجاهداتهم التي يشتغلون بها؛ لأن السابقين جاهدوا مجاهدة، لو أنا جاهدنا بأموالنا وأنفسنا وقاتلنا في معركة العدو أشد مقاتلة حتى قتلنا لا نصل بأدنى مجاهدة السابقين، وينبغي أن يفضلوهم على أنفسهم، وحظ السالك من هذه الآية أن يتواضع لأصحاب شيخه المتقدمين عليه، ويفضلهم على نفسه، ويدعو لهم بالخير، وحظ القوى النفسية والغالبية المؤمنة أن يؤثروا خواطر السرية وحظوظ القوى الحقوقية على أنفسهم، ويزكون الأعمال البدنية والذكر اللساني إذا أراد القوى الحقوقية والسرية أن يتنعموا بالوارد والذكر السري والقلبي أو الروحي أو الخفي، ويصبروا على ترك حظه من الأعمال البدنية، والأذكار اللسانية؛ لأن الله يرأف ويرحم بهم ويوصلهم إلى مرتبة لا يمكن الوصول إليها بالأعمال البدنية، والأذكار اللسانية بجذبته { ألم تر إلى الذين نافقوا } [الحشر: 11] من القوى النفسية { يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } [الحشر: 11] أي: من القوى السرية الجاحدة { لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون } [الحشر: 11] لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وإذا قذف الله الرعب من الحقوق التي كانت مستكنة في طينتهم؛ ليخرجوا بيوتهم بأيديهم صاروا متملقين { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون } [الحشر: 12] لإدبارهم واشتغالهم بشهواتهم وضعف نياتهم خلاف أهل الكتاب؛ لأنهم كسبوا قوة من إيمانهم باللطيفة السرية من قبل إرسال اللطيفة الخفية.
[59.13-17]
{ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } [الحشر: 13] يعني: أيتها القوة المؤمنة هم يرهبون منكم أشد رهبة من الله لجهلهم بالله وقصور نظرهم عن الحق { ذلك } [الحشر: 13] بنظرهم إلى الباطن { بأنهم قوم لا يفقهون } [الحشر: 13] أي: ليس لهم قلب يعرف صفات الله من بطشه وقهره { لا يقاتلونكم } [الحشر: 14] القوى السرية الجاحدة { جميعا إلا في قرى محصنة } [الحشر: 14] يعني: لا يبرزون ليحاربوكم مواجهة؛ بل يدخلون في حصون إيمانهم الحاصلة باللطيفة السرية ولا تمنعهم من جنود اللطيفة الخفية؛ لأن هذه الجنود تجيء من أعلاها والحصن تمنع من يكون أسفلها مثل جند الشيطان والهوى { أو من ورآء جدر } [الحشر: 14] يعني: وراء الخواطر السرية { بأسهم بينهم شديد } [الحشر: 14] يعني: ما داموا في حصونهم يكون بأسهم شديدا، ولكن ليس الحصول بما نعتهم عن جنود الخواطر الخفية { تحسبهم جميعا } [الحشر: 14] في حصن واحد في الصورة { وقلوبهم شتى } [الحشر: 14] لأنهم متفرقون في طلب شهواتهم لا يتحصنوا بهذا الحصن من تحقيق ولأجل الله، بل لعادتهم ولاستيفاء حظوظهم من القوى السرية الضعيفة الجاهلة الجاحدة { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [الحشر: 14] حقيقة التحصن بإيمانهم مثلهم { كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم } [الحشر: 15] بظنهم حصونهم مانعتهم عن ضرب الرحمن، ومثل المنافقين { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك } [الحشر: 16] يعني: إذا قالت القوة المستكبرة الشيطانية للقوة المستعجلة الإنسانية بعد طول مجاهدتها في طريق الكشف، واطلاعها على بعض أسرار المكاشفات اكفري بنعمة الله التي أنعم في حقك، وهو بأن تباشر مع القوة النفسية على وفق الهوى بالشهوة الحظية بقول القوة الشيطانية، ويطلعها على أسرار مكاشفاتها، ثم يقتلها بالمجاهدات لحظها الهوى، فلما فعلت هذه الفعلة القبيحة لشؤم عجبها قالت لها القوة الشيطانية { إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزآء الظالمين } [الحشر: 16-17] لأن القوة المستكبرة أبت من أخذ الحق والقوة المعجبة أعجبت بنفسها ونسيت توفيق ربها، وغفلت عن ذكره الحق، وكفرت بنعمة المكاشفة، وقبلت كلام العدو.
[59.18-21]
{ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد } [الحشر: 18] يعني: أيتها القوة المؤمنة اعتبري من هذه الآيات، ومما جرى على القوة المستكبرة والمعجبة، واكتسبي لنفسك اليوم ما ينفعك غدا بعد كشف الغطاء وطي عالم الكسب { واتقوا الله } [الحشر: 18] يعني: اتقوا عن الله عن عبادتكم، وتمسكوا بأذيال رحمته بأيدي عجزكم ومسكنكم.
{ إن الله خبير بما تعملون } [الحشر: 18] سرا وجهرا نية أو عملا، فأخلصوا نياتكم؛ لأن الله لا ينظر إلى أعمالكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم وانظروا بعين المنقصة إلى نفوسكم وبعين الفضيلة إلى إخوانكم ولا تطاولوا على القوة النفسية والقالبية المؤمنة بعدكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره "
{ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } [الحشر: 19] يعني: مثل القوى التي آمنت باللطائف، ثم نسوا ذكر الله واشتغلوا بمشتهيات أنفسهم، وجعلوا دين الله عادة وميراثا، وغفلوا عن حقيقة الدين { أولئك هم الفاسقون } [الحشر: 19] لا يشادهم حظوظ أنفسهم على الحقوق، ووقفوهم على صور الأعمال العارية غير الدخول في معناها { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } [الحشر: 20] يعني: لا يستوي من زكى قوى نباتية لتكون له بستانا كمن يشعل نيران الحقد والحسد { لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } [الحشر: 21] يعني: لو أنزلنا الوارد على جبل القوة المعدنية لرأيتها خاشعة متصدعة من قوة الوارد وخشية ما أودع الله في الوارد، ولا تخشع هذه القلوب، فيدل على أن قلوب المنافقين والكافرين والاستعدادات المميزة للقوة الكافرة المنافقة النفسية والقلبية أشد وأصلب من جبل قوى معدنيته، ولأجل هذا السر يتمنى مقام الترابية بعد حصول الاستعدادات { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } [الحشر: 21] فينبغي أن يتفكر القارئ في هذه الآية لئلا يشتغل طول عمره بتصحيح مخرجه بلا تفكر يوما واحدا في عجائب أمثاله وحكمه ويفهم الظاهري؛ أن الله يضرب الأمثال؛ ليتفكروا فيها ويفهموا ما في ضمن هذه الأمثال ولا يفقهون على ظاهر الجبل الذي ضرب به المثل، ويعلم أن مراد الله من إرسال الرسل، وإنزال الكتب تطهير القلب، وتزكية النفس، والتوجه إلى كعبة الوحدة لا حفظ الكتب، والغلبة على الأمم وجمع الدراهم والدنانير والأملاك والعقار والدواب والأنعام والجارية والأزواج والأولاد والتنعم بالنعم والتفوق على الأنام والارتكاب على الآثام أيها الغفلة الجهلة العجزة عن أيدي الشهوة والقوى تظنون أن قراءة الكلام وعلم الحلال والحرام مع الاشتغال بالشهوة على وفق الهوى يجتمعان لا والله لو لم يتصدع قلبك من القراءة، ولم يخشع من الوعظ، ولم يخرج منه حب الرئاسة والجاه؛ لا ينفعك قراءة الكلام، وعملك بالحلال والحرام بل يكون عليك حجة ووبالا، ويزيد عليك عذابا ونكالا وسلاسلا وأغلالا.
صفحه نامشخص