فكأنهم أرادوا أن يحملوا ما هو من الياء على الواو أيضًا، وهو شاذ. ومعنى هجروا: ساروا في الهاجرة. ويقال: جبت الظلام واجتبته فانجاب. وجبت المفازة: قطعتها. يريد أنهم وصلوا السير بالسرى، تلما انكشف الظلام نزلوا. وقد اشتمل هذا الكلام على جواب رب؛ لأن قوله حلوا - وهو جواب إذا إنجاب - صار جوابًا لرب أيضًا. ويقال: سرى وأسرى بمعنىً واحد. وقوله كل ماضٍ قد تردى بماضٍ يريد أن كل واحدٍ من هؤلاء الفتيان نافذٌ في الأعمال والغزوات، وقد تقلد سيفًا نافذًا في الضريبات، وإذا انتزع من غمده لمع التماع البرق. ويقال: ارتدى بسيفه وتردى واعتطف به، ويسمى السيف الرداء والعطاف.
فاحتسوا أنفاس نومٍ فلما ... ثملوا رعتهم فاشمعلوا
قوله رعتهم جواب لما، ومعنى اشمعلوا جدوا في المضي. ويقال رجلٌ مشمعلٌ، أي جادٌ خفيف. والمعنى أنهم ساروا يومهم وليلتهم، وكلٌ يرجع من نفسه وسلاحه إلى ما يرتضى ويعتد به، ثم نزلوا وهوموا، وناموا نومةً خفيفةً مثل حسو الطير ماء الثمد، تمشت في يقظتهم بقدر بيبها في عروقهم، ومزاولتها لخفوتهم وسكونهم، فلما صاروا منها كالسكارى أنبهتهم وبعثتهم للارتحال، فخفوا وأطاعوا. ودل بهذا الكلام على أن المرثي كان رئيسهم ومدبرهم، على زيادة غنائه وذكائه، وشهامته ومضائه، وأنه لما بعثهم جدوا وخفوا غير متوقفين في أمره، ولا معتلين على رأيه.
فلئن فلت هذيلٌ شباه ... لبما كان هذيلًا يفل
وبما أبركهم في مناخٍ ... جعجعٍ ينقب فيه الأظل
يقول: إن كان هذيلٌ قد تمكنت منه فكسرت حده وأتعست جده، فهو بما كان يؤثر من قبل في هذيل فيطأ حريمها، ويكثر قتيلها. والعرب تقول: هذا بذاك، أي هو عوضٌ منه. واللام من قوله لئن موطئة لقسمٍ مضمرٍ، والتي في قوله لبما جواب ذلك القسم. والشباة حد الشيء. ويقال: أشبي الرجل، إذا أتى بأولادٍ نجباء يصير له بهم حدٌ حديدٌ كشبا الأسنة. ويقال أيضًا: أشبيت الرجل، أي