Rites of Hajj and Umrah in Islam in Light of the Quran and Sunnah
مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة
ناشر
مركز الدعوة والإرشاد
ویراست
الثانية
سال انتشار
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
محل انتشار
القصب
وعن ميمونه ﵂: أن ناسًا شكَّوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلابٍ (١) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون» (٢).
وفي إفطار الحاج يوم عرفة من الفوائد: أنه يتقوَّى بذلك على الدعاء، والتضرع، والتذلل لله تعالى، ويزيد نشاطه في هذا الموقف العظيم.
سادسًا: إذا غربت الشمس وتحقق من غروبها (٣) انصرف الحاج إلى
(١) الحلاب: الإناء الذي يحلب فيه. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٤٢١].
(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة، برقم ١٩٨٩، ومسلم، كتاب الصيام، باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة، برقم ١١٢٤.
(٣) من اقتصر في وقوفه في عرفة بعد الزوال على جزء من النهار دون الليل، كأن يفيض من عرفات قبل غروب الشمس فقد انقسم العلماء ﵏ في حكمه إلى فريقين:
الفريق الأول: قال: لا يصح حج من اقتصر على النهار دون الليل، فعلى هذا القول من وقف بعد الزوال يوم عرفة بعرفة، ثم أفاض قبل غروب الشمس فلا حج له، وبه قال الإمام مالك ﵀، واحتج على قوله بفعل النبي ﷺ، وهو أنه بقي حتى غربت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم» [هذا لفظ البيهقي، ٥/ ١٢٥، ولفظ مسلم، برقم ١٢٩٧: «لتأخذوا مناسككم»، فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا: الجمع في الوقوف بين الليل والنهار. [أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩، ٢٦٠]، قال الإمام ابن قدامة في الشرح الكبير، ٩/ ١٧١: «قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا من العلماء قال بقول مالك». [وانظر: الاستذكار لابن عبد البر، ١٣/ ٣٤]، [والمغني لابن قدامة، ٥/ ٢٧٣].
الفريق الثاني: قول جمهور أهل العلم، ومنهم: الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وعطاء، والثوري، وأبو ثور، قالوا: حجه صحيح لا شك في ذلك، لحديث عروة بن مضرِّس، وفيه: «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفة قبل ذلك: ليلًا أو نهارًا فقد تم حجّه وقضى تفثه». [أبو داود، برقم ١٩٥٠، والترمذي، برقم ٨٩١، والنسائي، برقم ٣٠٤٠، وابن ماجه، برقم ٣٠١٦، وتقدم تخريجه]. قال الإمام الشنقيطي في أضواء البيان عن قول مالك: ٥/ ٢٦٠: «ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه: «وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه».
وهذا الفريق الثاني اختلفوا في وجوب الدم على من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس على قولين:
القول الأول: يلزمه دم، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه، والقول الآخر للشافعي: أن الدم سنة، قال الإمام ابن قدامة في الشرح الكبير، ٩/ ١٧٠: «ومن وقف بها نهارًا ودفع قبل الغروب فعليه دم، يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، فعن جابر ﵁ قال: «فلم يزل [أي النبي ﷺ] واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص». [مسلم، برقم ١٢١٨]،وقد قال ﷺ: «خذوا عني مناسككم»، [وهذا لفظ البيهقي،٥/ ١٢٥]، ولفظ مسلم: «لتأخذوا مناسككم»، قال المرداوي في الإنصاف، ٩/ ١٧٠: «هذا هو المذهب، وعليه الأصحاب».وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة، ٢/ ٥١١: «... لا يجوز الخروج من عرفة حتى تغرب الشمس ...»،وقال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم، ٨/ ٤٣٥: «ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فإن أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه، ويجبر ذلك بدم، وهل الدم واجب أم مستحب فيه قولان للشافعي، أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا؟ وفيه قولان: أصحهما سنة، والثاني واجب».
القول الثاني: أن من وقف بعرفة بعد الزوال، ثم أفاض قبل غروب الشمس، فلم يجمع بين النهار والليل، فلا شيء عليه، وقد ذكر رواية عن الإمام أحمد، قال الإمام المرداوي في الإنصاف، ٩/ ١٧٠: «قوله: ومن وقف بها نهارًا ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، هذا هو المذهب ... وعنه فلا دم عليه كواقف ليلًا».
وقد ذكر هذه الرواية ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٠: بقوله: «ومن وقف بها نهارًا ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله في «الإيضاح» قبل الفجر، وقاله أبو الوفاء في مفرداته، وقيل: أو عاد مطلقًا، وفي «الواضح»: ولا عذر له لزمه دم، وعنه: لا، كواقف ليلًا».
وذكر الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩: «أن المقتصر على النهار دون الليل: أظهر الأقوال فيه دليلًا عدم لزوم الدم؛ لحديث عروة وفيه: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه»، فقوله ﷺ فقد تم حجه مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلًا أو نهارًا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك، والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الدم، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة الحديث على ذلك، كما ترى والعلم عند اللَّه تعالى».
والذي يترجح هو القول الأول: وهو أن على من أفاض قبل الغروب دم؛ لأنه ترك واجبًا من واجبات الحج، فالواجب عليه أن لا يفيض إلا بعد غروب الشمس؛ لقول جابر المتقدم عن النبي ﷺ: أنه لم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص [مسلم، برقم ١٢١٨]، وقد قال ﷺ: «خذوا عني مناسككم» [هذا لفظ البيهقي، ٥/ ١٢٥]، ولفظ مسلم: «لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» [برقم ١٢٩٧]، وهذا أمر منه ﷺ لأمته، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف؛ ولهذا قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٧٣: «وعلى من دفع قبل الغروب دمٌ في قول أكثر أهل العلم: منهم: عطاء، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم، وقال ابن جريج: عليه بدنة، وقال الحسن البصري: عليه هدي من الإبل، ولنا: أنه واجب لا يفسد الحج بفواته، فلم يوجب البدنة كالإحرام من الميقات»، وأما حديث عروة بن مضرِّس، فلا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل الغروب ممن وقف بها نهارًا، وأنه لا شيء عليه، وإنما يدل على إجزاء وقوف من وقف بها ليلًا أو نهارًا [تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج، لعبد المحسن العباد، ص ٣٠].
وقال العلامة محمد بن إبراهيم ﵀: «ومما يدل على عدم جواز الدفع من عرفة قبل الغروب عدم إذن النبي ﷺ للضعفة في ذلك مع ما يلقونه في طريقهم من الزحمة، وحطمة الناس، كما رخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر ليلة جمع» [مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٦/ ٨٤].
وقال شيخنا الإمام ابن باز في مجموع فتاويه، ٦١/ ١٤٢: «من وقف بعد الزوال أجزأه، فإن انصرف قبل المغرب فعليه دم إن لم يعد إلى عرفة ليلًا، أعني ليلة النحر». وقال شيخنا أيضًا في الفتاوى، ١٧/ ٢٦١: «ولا يجوز الانصراف قبل الغروب لمن وقف نهارًا، فإن فعل ذلك فعليه دم عند أكثر أهل العلم؛ لكونه ترك واجبًا، وهو الجمع في الوقوف بين الليل والنهار، لمن وقف نهارًا». [وانظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٣٣]، وتقدمت النقولات في القول الأول، واللَّه الموفق.
مسألة: لكن إذا أفاض من وقف بعرفة قبل غروب الشمس، ثم عاد إلى عرفة، فهل يسقط عنه الدم؟ فيه أقوال لأهل العلم:
القول الأول: إذا عاد نهارًا قبل غروب الشمس فوقف حتى غربت فلا دم عليه عند الإمام أحمد، ومالك، والشافعي، قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٧٣: «فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس، فلا دم عليه، وبهذا قال: مالك، والشافعي».
القول الثاني: إذا أفاض قبل غروب الشمس، ثم عاد قبل الغروب أو بعده، لزمه الدم مطلقًا، ولم يسقط برجوعه ...».
القول الثالث: إذا أفاض من عرفة قبل الغروب، فعاد قبل الغروب أو قبل الفجر فلا دم عليه. قال في الإنصاف، ٩/ ١٧٢: «وقال في «الإيضاح»: ولم يعد إلى الموقف قبل الفجر، وقاله ابن عقيل في «مفرداته»، فإن عاد إلى الموقف قبل الغروب أو قبل الفجر، عند من يقول به فلا دم عليه على الصحيح من المذهب، وعليه أكثرهم ..». وانظر: الفروع لابن مفلح، ٦/ ٥٠.
والصواب هذا القول الثالث وهو ما اختاره شيخنا ابن باز، في مجموع الفتاوى، ١٦/ ١٤٢، وفي ١٧/ ١٦٣،قال: «من وقف بعرفة نهارًا فعليه أن يستمر إلى الليل، فإن لم يفعل وانصرف قبل الغروب، ولم يعد بعد الغروب فعليه دم، وإن عاد بعد المغرب فوقف ليلًا ... فلا شيء عليه».
واختاره أيضًا العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٣٣: «... إذا عاد بعد الغروب فقد عاد في وقت الوقوف، فمقتضى القياس أنه لا شيء عليه، كما لو عاد قبل الغروب».
1 / 452