482

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

ناشر

دار الوسيلة للنشر والتوزيع

ویراست

الرابعة

محل انتشار

جدة

وفي اليوم الخامس من مرضه ﷺ اشتدت عليه الحمى فطلب أن يصبّوا عليه الماء، حتى يخرج للناس فيعهد إليهم، وبعد أن استحم أحس بخفة، فعصب رأسه ودخل المسجد فصعد المنبر وخطب فنهى عن اتخاذ قبره وثنا يعبد «١»، ولعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد «٢»، وعرض نفسه للقصاص، وأوصى بالأنصار خيرا، وفي نهاية خطبته قال ﷺ: «إنّ عبدا خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» . «٣»
وقد اشتد بكاء أبي بكر ﵁ فعجب الناس من ذلك، فكان المخير رسول الله ﷺ وكان أبو بكر أعلمهم بذلك، وأثنى النبي على أبي بكر صحبته، وما أنفق في سبيل الله ونصرة الإسلام فقال: «لو كنت متّخذا خليلا عند ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته»، وأمر ﷺ بألا يبقى في المسجد باب إلّا سدّ، إلا باب أبي بكر. «٤»
وقبل وفاته ﷺ بأربعة أيام أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، كما أمر ﷺ بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم «٥»، وحين اشتد وجعه ذلك اليوم قال للصحابة الذين كانوا معه: «هلمّوا اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده» فاختلفوا وقال عمر بن الخطاب ﵁: «قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال ﷺ: «قوموا عنّي» . «٦»
وفي اليوم التالي أثر عنه ﷺ أنه قال: «أحسنوا الظّنّ بالله ﷿» . «٧»
وقد أثقله بعد ذلك المرض، ومنعه من الخروج للصلاة بالناس، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلّي بالنّاس»، وقد راجعته عائشة- ﵂ فقالت: «إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن» فأصرّ ﷺ على ذلك، فمضى أبو بكر يصلي بهم «٨»، وحين شعر النبي ﷺ بعد ذلك بتحسن، وخرج لصلاة الظهر وهو يتوكأ على رجلين رآه أبو بكر فأراد أن يتأخر، فأومأ إليه ألّا يتأخر، فأجلسه بجانبه، فجعل أبو بكر- رضي الله

(١) البخاري- الصحيح (فتح الباري، الأحاديث ٤٢٥، ٤٣٦، ٤٣٧) مسلم ١٠/ ٤٧٥٦ (حديث ٥٢٩، ٥٣٢)، مالك- الموطأ ص/ ٣٦٠.
(٢) مالك- الموطأ ص/ ٣٦٥، البيهقي- دلائل النبوة (٧/ ١٦٩- ١٨٠) .
(٣) البخاري- الصحيح (فتح الباري، الأحاديث ٤٤٣١- ٤٤٣٢)، مسلم ٣/ ١٢٥٧- ٥٩، (الحديث ١٦٣٧) .
(٤) البخاري- الصحيح (فتح الباري الحديث ٤٤٣٢) مسلم- الصحيح (الحديث ١٦٣٧) .
(٥) الذهبي- السيرة ص/ ٥٥٧، ابن ماجه- صحيح ابن ماجه للألباني ١/ ٢٧١، كتاب الجنائز (حديث ١٦٢٥) وقال: صحيح، وصححه الهيثمي- مجمع الزوائد ٤/ ٢٣٧.
(٦) هناك قرائن تشير إلى أن أمره ﷺ بإحضار أدوات الكتابة لم تكن على الوجوب وإنما فيه تخيير، فلما قال عمر مقولته لم يكرر رسول الله ﷺ ذلك، ولو كان الأمر لازما لأوصاهم به، وانظر البخاري- الصحيح (فتح الباري ٨/ ١٣٢) .
(٧) الذهبي- السيرة ص/ ٥٥٧ وقال إنه حديث صحيح من العوالي.
(٨) أحمد- الفتح الرباني ٢١/ ٢٢٦- ٢٢٧ من طريق ابن إسحاق ورجاله ثقات، أبو داود- السنن، ٥/ ٤٧- ٤٨، ابن كثير- البداية ٥/ ٢٣٢- ٢٣٣.

1 / 403