مسألة وكذلك فى الفروع الحق عند الله واحد وعلى المجتهد طلبه فان أصابه توفر أجره وان أخطأه بالمؤاخذة موضوعة عنه وهو مثاب مع كونه مخطئا نص عليه فى مواضع ولا يقطع بخطأ واحد بعينه فى ذلك وبهذا قال أكثر الشافعية وذكر أبو الطيب أنه مذهب الشافعى وكل مصنف من أصحابه المتقدمين والمتأخرين وأن المزني استقصى القول فيه وقال انه مذهب مالك والليث وان أبا علي الطبري أنكر على من نسب إلى الشافعى خلاف ذلك بعد ما ذكر أن قوما نسبوا إليه ما قدمناه عن الحنفية فأبطل ذلك وشدد النكير فيه وكذلك ذكره عبد الوهاب عن أصحابه وأكثر الفقهاء ورواه ابن وهب عن مالك والليث وذكر عن مالك نصوصا صريحة بذلك حتى قارب مذهب المؤثمين وهو قوله ليس كل واحد مصيبا لما كلف وانه ليس الاختلاف بسعة وقد روى عن أحمد أنه سمى الاختلاف سعة ومن المتكلمين بشر المريسي وابن علية والاصم وأكثر الاشعرية منهم ابن فورك وأبو اسحاق الاسفرائينى وغيرهما وبالغ أبو الطيب الطبرى فقال أعلم اصابتنا للحق وأقطع بخطأ من خالفنا وأمنعه من الحكم باجتهاده غير أننى لا أوثمه ولا أفسقه وقد حكى ابن برهان عن بشر المريسي واسماعيل بن علية والاصم وأهل الظاهر الغلو بأن المصيب واحد والحق فى جهة واحدة وماعداه ضلال وبدعة وفسق وحكى أبو الخطاب عن الاصم وابن علية والمريسي أن الحق فى جهة واحدة وعليه دليل كلف المكلف اصابته فاذا أداه اجتهاده أنه وصل اليه يقينا وينقض حكم من خالفه وحكاه بعضهم عن الشافعى واختاره الاسفرائينى وأبو الطيب قال وقد أومأ اليه أحمد فى مسألة القياس وأنه لم يصب باجتهاده ما كلف وأنه لا بد فى المسألة من أمارة هى أقوى قد كلف طلبها والحكم بها وقال فى موصع آخر كلفوا الحكم عند الله قال القاضي فى كتاب الروايتين الحق عند الله واحد وقد نصب عليه دليلا وكلف المجتهد طلبه فان أصابه فقد أصاب الحق عند الله وفى الحكم وان أخطأه فقد أخطأ عند الله وهل أخطأ فى الحكم أيضا على روايتين احداهما أنه مخطىء فى الحكم الا أن الخطأ موضوع عنه والثانية هو مصيب فى الحكم وهذا الذى ذكره ابن عقيل عن حنبلى أظنه نفسه لما قال من نصر المصوبة معلوم أن الله قد كلف من خفيت عليهم القبلة الاجتهاد فى طلبها ومن عدم الماء الاجتهاد فى تحصيله ومن أبق منه العبد الذى غصبه الاجتهاد فى طلبه ثم هم مصيبون لما كلفوه وان لم يصبوا القبلة ولا الماء ولا العبد فقال الحنبلي ما من شىء ذكرتموه الا وفيه خطأ لان المصيب من صادف القبلة والباقون مصيبون فى بلوغ وسعهم كما زعمت لا فى اصابة القبلة التى هى عند الله قبلة الاسلام قال القاضى وقد أومأ أحمد إلى هذا فى رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه فقال الحق عند الله فى واحد وعلى الرجل أن يجتهد ولا يقول لمخالفه انه مخطىء وقال بعده كلاما واذا اختلف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فى شىء فأخذ رجل بقول بعضهم وأخذ رجل آخر عن رجل آخر منهم فالحق واحد وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدرى أصاب الحق أم أخطأ قال فظاهر كلامه فى أول المسألة أنه مصيب فى الحكم لانه منع من اطلاق الخطأ عليه فى الحكم وآخر كلامه يقتضي اطلاق ذلك عليه لانه قال عليه أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم لا فأطلق الخطأ عليه
ووجه قول من قال ( كل واحد منهم مصيب فى الحكم ) اقرار الصحابة بعضهم بعضا وتسويغ استفتاء كل واحد للعامى ولانه لو كان الحق في واحد من القولين لنصب عليه دليلا يوجب العلم كما قلنا فى مسائل الاصول فلما لم ينصب دليلا يوجب العلم ثبت أن الحق فيما يعتقده فى حقه دون غيره
قال شيخنا قلت أحمد انما فرق لان الاولين كل منهما استدل بنص والآخرين لا نص مع واحد منهما فعلى هذا من استمسك بنص لا يطلق عليه الخطأ فى الحكم كالمصلي إلى القبلة المنسوخة قبل علمه بالناسخ ومن لا نص معه يقال هو مخطىء فى الحكم بمنزلة الذى ليس هو على شريعة ولم تبلغه شريعة فصارت الاقوال ثلاثة والفرق هو المنصوص
قال وقد اختلف أصحابنا فيما جرى بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة هل كل واحد منهم مصيب فى ذلك أم أحدهم مصيب فحكى شيخنا أبو عبد الله عن أصحابنا فى ذلك وجهين أحدهما أن كلا منهما مصيب فى الحكم والثاني أن أحدهما مصيب والآخر مخطىء لا بعينه والثالث أن أحدهما مصيب وهو علي والآخر مخطىء وهو من قاتله
صفحه ۴۴۴