المنتقى شرح موطأ
المنتقى شرح موطأ
ناشر
مطبعة السعادة
ویراست
الأولى
سال انتشار
۱۳۳۲ ه.ق
محل انتشار
بجوار محافظة مصر
(ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالْآخَرُ لَا يَلْحَدُ فَقَالُوا أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلَ عَمِلَ عَمَلَهُ فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ) .
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُسْلِهِ أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ سُنَّةَ الْغُسْلِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ عَشْرَةَ أَعْوَامٍ وَلَا بُدَّ لِاتِّصَالِ الْمَوْتِ عِنْدَهُمْ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ أَنْ يَعْرِفُوا حُكْمَ الْغُسْلِ وَمُحَالٌ أَنْ يَجْهَلَ جَمِيعُهُمْ حُكْمَ الْغُسْلِ حِينَ أَرَادُوا اسْتِعْمَالَ الْمَحْظُورَ مِنْهُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ نَزْعُ الْقَمِيصِ وَإِبْقَاؤُهُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ كَمَا ذَهَبُوهُ فِي اللَّحْدِ لَهُ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا لَمْ يَتَقَرَّرْ بَيْنَهُمْ حُكْمُهُ لَاخْتَلَفُوا فِيهِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ فَثَبَتَ أَنَّ نَزْعَ الْقَمِيصِ هُوَ سُنَّةُ الْغُسْلِ وَلِذَلِكَ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي النَّبِيِّ ﷺ حِينَ سَمِعُوا صَوْتًا يَقُولُ لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ الظَّاهِرَةِ بِسَبَبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ تَكْرِمَةً لَهُ وَتَفْضِيلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ فِيهِ وَلِيَكُونَ ذَلِكَ الْأَمْرُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ ﷺ مَعْصُومٌ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ وَلِذَلِكَ امْتَثَلَتْ الصَّحَابَةُ مَا سَمِعَتْ مِنْ الصَّوْتِ فَلَمْ يُنْزَعْ الْقَمِيصُ وَغُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ ﷺ.
(ش): قَوْلُهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالْآخِرُ لَا يَلْحَدُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَحْظُورًا لَمَا اسْتَدَامَ عَمَلُهُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ عَمِلَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ لَا سِيَّمَا، وَاَلَّذِي كَانَ لَا يَلْحَدُ مِنْ أَفْضَلِ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرِهِمْ اخْتِصَاصًا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَاَلَّذِي كَانَ يَلْحَدُ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ اللَّحْدُ وَالشَّقُّ كُلٌّ وَاسِعٌ وَاللَّحْدُ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ التَّبَرُّكُ بِمَا فُعِلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَاللَّحْدُ هُوَ مَا كَانَ الشَّقُّ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ وَالضَّرِيحُ مَا كَانَ فِي وَسَطِهِ.
(مَسْأَلَةٌ):
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَغْمَقُ الْقَبْرُ جِدًّا وَلَكِنْ قَدْرَ عِظَمِ الذِّرَاعِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الشَّقَّ الَّذِي هُوَ نَفْسُ اللَّحْدِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ اللَّبِنَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَكَذَلِكَ فُعِلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي التَّابُوتِ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ الطُّوبُ قَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِاللَّوْحِ وَالْآجُرِّ وَالْقَصَبِ وَاللَّبِنِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ السَّرَفِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الدَّفْنَ فِي الْأَرْضِ وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي تَلِي الْإِنْسَانَ وَتَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لَمْ يَتَغَيَّرْ إلَى أَنْ يَصِيرَ أَجْزَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ):
وَمِنْ السُّنَّةِ تَسْنِيمُ الْقَبْرِ وَلَا بِرَفْعٍ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا، فَأَمَّا بُنْيَانُهُ وَرَفْعُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ فَمَمْنُوعٌ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُرَصَّصُ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ أَوْ الطُّوبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُرْفَعَ الْقُبُورُ أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِهَدْمِهَا وَتَسْوِيَتِهَا بِالْأَرْضِ وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ تُسَوَّى تَسْوِيَةَ تَسْنِيمٍ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُسَوِّي نَفْسَ الْقَبْرِ بِالْأَرْضِ وَيَرْفَعَ رَفْعَ تَسْنِيمٍ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ أَصْلَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا بَأْسَ بِالْمَشْيِ عَلَى الْقَبْرِ إذَا عَفَا، وَأَمَّا وَهُوَ مُسَنَّمٌ وَالطَّرِيقُ دُونَهُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكْسِرُ تَسْنِيمَهُ وَيُبِيحُهُ طَرِيقًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السَّنَامَ يَحْفَظُهُ عَلَى أَهْلِهِ يَعْرِفُونَهُ بِهِ وَيَمْنَعُ مِنْ ابْتِذَالِهِ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ وَتَعْفِيَةِ أَثَرِهِ فَأَمَّا الْبُنْيَانُ الْمُتَّخَذُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ فَمَمْنُوعٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ):
وَأَمَّا تَقْصِيصُهَا يُقَالُ تَجْصِيصُهَا وَهُوَ تَبْيِيضُهَا بِالْجِيرِ أَوْ التُّرَابِ الْأَبْيَضِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَالنَّقْشُ عَلَى الْقَبْرِ كَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ بَلَاطَةٌ وَيَكْتُبُ فِيهَا وَلَمْ يَرَ
2 / 22