المنتقى شرح موطأ
المنتقى شرح موطأ
ناشر
مطبعة السعادة
ویراست
الأولى
سال انتشار
۱۳۳۲ ه.ق
محل انتشار
بجوار محافظة مصر
(ص): (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّاسُ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ فَقَالَ نَاسٌ يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إلَّا فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَحُفِرَ لَهُ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُسْلِهِ أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ فَسَمِعُوا صَوْتًا يَقُولُ لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ فَلَمْ يُنْزَعْ الْقَمِيصُ وَغُسِّلَ وَهُوَ عَلَيْهِ ﷺ») .
ــ
[المنتقى]
الصَّلَاةَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّقَائِصَ الْمَانِعَةَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِي الْعَامَّةِ وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الْخَاصَّةِ وَهُوَ كُلُّ نَقْصٍ لَا يُخْرِجُ عَنْ الْإِيمَانِ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ ذَلِكَ رَدْعًا وَزَجْرًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ مِثْلِ حَالِهِمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سُمْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» .
(مَسْأَلَةٌ):
وَهَذَا مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى إبْطَالِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ خِيفَ ذَلِكَ صَلَّوْا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ لَازِمٌ بِسَبَبِهِمْ وَلَا يُسْقِطُهُ كَبَائِرُهُمْ وَبِدَعُهُمْ مَا تَمَسَّكُوا بِالْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الْمَقْتُولُ فِي الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ تَمْنَعْهُ مَعْصِيَتُهُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أُتِيَ بِمَيِّتٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً لَهُ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» .
(مَسْأَلَةٌ):
وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا وَالْإِحْصَانِ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» .
(ش): قَوْلُهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ دَلِيلٌ عَلَى التَّأْخِيرِ إلَى الْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْوَفَاةِ وَقَوْلُهُ " صَلَّى عَلَيْهِ النَّاسُ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ " قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْتِي الرَّجُلُ وَالرِّجَالُ فَيَدْعُونَ وَيَتَرَحَّمُونَ وَلِهَذَا وَجْهٌ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَهِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّ الشَّهِيدَ يُغْنِيه فَضْلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَأَنْ يُغْنِي النَّبِيَّ ﷺ فَضْلُهُ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَإِنَّمَا فَارَقَ الشَّهِيدَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ عَلَى الشَّهِيدِ مِنْ الدَّمِ مَا هُوَ طِيبٌ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَعِنْوَانٌ لِشَهَادَتِهِ وَلَيْسَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا يُكْرَهُ إزَالَتُهُ عَنْهُ فَافْتَرَقَا لِذَلِكَ فِي الْغُسْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقِيلَ إنَّ النَّاسَ صَلُّوا عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ وَلِهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ وَذَلِكَ لِئَلَّا تَفُوتَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَفُوزَ بِالْإِمَامَةِ وَالْخِلَافَةِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ تَقَرَّرَ بَعْدُ أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا تَكُونُ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ وَلِذَلِكَ ادَّعَاهَا الْأَنْصَارُ، وَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، ثُمَّ ثَبَتَتْ النُّصُوصُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ فَقَالَ نَاسٌ يُدْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ يُدْفَنُ بِالْبَقِيعِ وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ إخْبَارًا مِنْهُمْ عَنْ رَأْيِهِمْ فِي ذَلِكَ وَمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِمْ حَتَّى ذَكَرَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَرَجَعُوا إلَيْهِ وَأَخَذُوا بِهِ وَهَذَا حُكْمُ الِاجْتِهَادِ إذَا ظُهِرَ عَلَى النَّصِّ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِاجْتِهَادُ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ.
١ -
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُهُ «مَا دُفِنَ نَبِيٌّ قَطُّ إلَّا فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ» إخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى حُكْمِهِ هُوَ ﷺ، وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَخَذَ بِهِ سَائِرُ الصَّحَابَةِ فَحَفَرُوا لَهُ فِيهِ يُرِيدُ مَوْضِعَ وَفَاتِهِ وَدُفِنَ فِيهِ وَصِفَةُ الدَّفْنِ أَنْ يُنْزَلَ فِي قَبْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهَا الْجِهَةُ الَّتِي كَانَ يُعَظِّمُهَا الْمُسْلِمُ فِي حَيَّاتِهِ وَيُجْعَلُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» .
١ -
2 / 21