مختصر صفت الصفوه
مختصر صفة الصفوة لابن الجوزى
عابدة أخرى قال ذو النون بن إبراهيم: كنت في تيه بني إسرائيل ومعي صاحب لي، فرأيت امرأة عليها مدرعة من شعر وخمار من صوف، وفي كفها عكاز من حديد فقلت: السلام عليك ورحمة الله. فقالت: وعليك السلام، ما للرجال وخطاب النساء عافاك الله? فقلت: أخوك ذو النون المصري. فقالت: مرحبا حياك الله بالسلام. قلت: ما تصنعين ها هنا? قالت: كلما أتيت إلى بلدة يعصى فيها الحبيب ضاق علي ذلك البلد، فأنا أطلب بقعة طاهرة أخر عليها ساجدة أناجيه بقلب ذاب من شدة الشوق إلى لقائه. فقلت: ما سمعت أحدا يذكر الحبيب أحسن من ذكرك، فأي شيء المحبة? قالت: سبحان الله أنت الحكيم الواعظ وتسألني? أول المحبة يبعث على الكد الدائم، حتى إذا وصلت أرواحهم إلى أعلى الصفا جرعهم من محبته لذيذ الكؤوس، ثم صرخت وخرت مغشيا عليها فأفاقت وهي تقول: أحبك حبين حب الرضا وحب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الرضا فذكر شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ذكر المصطفين من عباد لم يعرفوا باسم ولا مكان
قال مضر القاري: كان رجل من العباد قلما ينام من الليل قال: فغلبته عينه ذات ليلة فنام عن جزئه، فرأى فيما يرى النائم كأن جارية وقفت عليه، كأن وجهها القمر المستتم قال ومعها رق فيه كتاب. فقالت: أتقرأ أيها الشيخ? قلت: نعم. قالت: فاقرأ هذا الكتاب. قال فأخذته من يدها ففتحته فإذا فيه مكتوب:
ألهثك لذة نومة عن خير عيش مع الخيرات في غرف الجنان
تعيش مخلدا لا موت فيها وتنعم في الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إن خيرا من النوم التهجد بالقرآن
قال: فوالله ما ذكرتها قط إلا ذهب عني النوم.
عابد آخر
كان رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أعقد من رجليه. وكان يصلي جالسا ألف ركعة فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ويقول: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبهم بذكر سواك.
صفحه ۷۹