537

عابد آخر قال بشر بن الحارث: استقبلني رجل في طريق الشام وعليه عباءة قد عقدها مستوفزا كأنه وحشي. فقلت له: رحمك الله من أين جئت? قال لي: جئت من عنده. فقلت: وإلى أين تذهب? فقال: غليه فقلت له: ففيم النجاة رحمك الله? قال : في التقوى والمراقبة لمن أنت له مبتغ، قلت: فأوصني. قال: لا أراك تقبل. قلت: أرجو أن أقبل إن شاء الله. قال: فر منهم ولا تأنس بهم واستوحش من الدنيا فإنها تعرضك للعطب. ثم قال: من عرف الدنيا لم يطمئن إليها ومن أبصر ضررها أعد لها دواءها، ومن عرف الآخرة ألح في طلبها، ومن توهمها اشتاق إلى ما فيها فهان عليه العمل. ثم قال: فكيف لو توهمت من يملكها ومن زخرفها ومن قال لها: فكانت وتزيني فتزينت? والتشوق إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين، وأطيب لعيش المستأنسين.

ثم قال: قد أنسوا بربهم فالأمر فيما بينهم سليم، صافوه بالعقول، ودققوا له الفطن، فسقاهم من كأس حبه شربة فظلوا في عطشهم أروياء، وفي ربهم عطاشا.

صفحه ۴۳